23 أبريل 2024

مواصفات الرئيس خطبة الجمعة لشيخ د.عمر بنعمر

مواصفات الرئيس خطبة الجمعة 7محرم 1441هـ/6 سبتمبر 2019م


نعيش اليوم لحظات مع قول الله تعالى: قالَ اجْعَلْنِي عَلى‏ خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (سورة يوسف: 55).

وقصة يوسف عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام سماها الله من أحسن القصص. وقد يتساءل المرء لماذا سميت أحسن القصص؟

قال تعالى: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآَنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ (سورة يوسف: 3).

قيل: سميت أحسن القصص لأن في نهايتها حسن المآل وحسن العاقبة؛ فيعقوب عليه السلام رد إليه بصره، وظفر بفلذة كبده،

ويوسف عليه السلام آتاه الله الملك والحكمة وعلمه من تأويل الأحاديث. وقيل: لأنها اشتملت على موضوعات متعددة وأعراض متنوعة عالجت موضوعات تربوية واجتماعية، وأخلاقية، واقتصادية، وسياسية،

ولذا قال الله جل وعلا عنها: آَيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ (سورة يوسف: 7). وكل حَدَث آية تسير أحداثه على غير المتوقع؛

فحبّ الأب شيء رائع في ظاهره، لكن كان سبباً لرميه في البئر، ووجوده في البئر أمر سيئ في ظاهره، لكن كان سبباً في دخوله بيت العزيز.

وقصر العزيز مأوًى حَسَنٌ في ظاهره، لكن كان سببا لوضعه في السجن، ودخول السجن أمر سيء في ظاهره،

إلا أنه كان سبباً في أن يصبح عزيز مصر، وصدق الله العظيم: لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ (سورة يوسف : 7).

وهنا يتجلى اللطف الإلهي، فوراء كل ابتلاء منحة وعطاء: اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (سورة الشورى: 19).

والابتلاء كان سببا ليتولى يوسف المسؤولية ويقود البلاد في سنوات عجاف، في أزمة اقتصادية خانقة، يتولى المسؤولية في هذا الظرف،

ويدل على ذلك قول الله تعالى على لسان يوسف مخاطبا الملك بعد أن برّأه الله: قالَ اجْعَلْنِي عَلى‏ خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (سورة يوسف: 55)

طلب المسؤولية في هذه السنوات العجاف، في أزمة اقتصادية قاتلة تمرّ بها البلاد. وطلبُ المسؤولية ليس حرصا على الولاية، أو لينال الشرف، أو ليزداد ثروة، وإنما رحمة بالناس لتحقيق مصالحهم الحياتية. 

الأمور الضرورية للخروج من الأزمات


ومن الأمور الضرورية للخروج من الأزمات، ولإدارة البلاد في الظروف الحالكات لا بد من الاتصاف بأمرين اثنين:

الحفظ والعلم، ولذا قال يوسف: إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ حفيظ للذي أتولاه، فلا أضيع منه شيء في غير محله، ضابط لما يدخل وما يخرج، عليم بكيفية الإعطاء والمنع في جميع أنواع التصرفات.

والحفظ والعلم عبّر الله عنهما في قصة موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام بالقوة والأمانة في قوله تعالى: يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (القصص: 26).

وهذه الآية قاعدة قرآنية محكمة في التعامل مع الناس، خاصة لمن يلي أمرا من أمورهم، وقد امتدح الله جبريل بهاتين الصفتين في قوله تعالى: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (19) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (20) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (سورة التكوير: 21).

وإدارة الأزمات تحتاج إلى خبرة وحسن تصرف وعلم بكافة فروعه لذلك التصرف، وتلك المهمة. 


وابنة شعيب عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام رشحت موسى لتولي المسؤولية وطلبت من أبيها أن يستأجره لرعاية الغنم،

وما من نبي إلا وقد رعى الغنم. والرعية تحتاج إلى من يسوسها، ويقودها إلى ما فيه صلاحها.

والسياسة أن يسوس الناس يعني أن يقوم بما يصلحهم،

وهي من ساس أي قام بالأمر ودبّره. والرعية تحتاج إلى من يقودها إلى الخير والصلاح، ويبعدها عن كل ما من شأنه يعكّر صفو حياتها،

أو يُشْقيها في آخرتها. الراعي يأخذ غنمه إلى الأماكن الخصبة ذات العشب الكثير، ويحفظها من كل المخاطر. وواجب راعي الدولة أن يقود شعبه إلى كل ما فيه خير،

وأن ينظر في مصالحهم، لا مصالحه هو، ولا مصالح حزبه أو جهته، وإنما يعمل على تحقيق مصالح الشعب بأسره، مَنْ انتخبه ومَنْ لم ينتخبه،

فهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: (لو عثرت بغلة في العراق لسألني الله تعالى عنها لِمَ لمْ تُمَهِّدْ لها الطريق يا عمر).

وهذا من وعيه رضي الله عنه لفهم المسؤولية التي قال عنها رسول الله : {كُلُّكم راعٍ، وكُلُكم مسؤولٌ عن رعيَّته} (متفق عليه). 


وبلادنا اليوم – ونحن في استحقاقات انتخابية- أحوج ما تحتاج إلى شخص يسوسها ويدبّر أمرها، شرط أن يتصف بالأمانة والعلم:

قوي أمين، وحفيظ عليم، نظرا للأزمات التي تعيشها بلادنا: أزمة أخلاقية، وأزمة اقتصادية، وأزمة ثقافية؛ التسرب الدراسي والعزوف عن التعليم، والزطلة والبطالة والفقر، والشذوذ، والمواقع الإباحية والمسلسلات الهابطة..

وكم من حضارات دمرها الله بسبب الشذوذ الجنسي، وتكفي الإشارة إلى قوله تعالى:

فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (82) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (سورة هود: 83). 


ويوسف عليه السلام قال: إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ عليم بإدارة الأزمة الاقتصادية، فخرج منها بسلام، وجنّب بلاده الفاقة والمجاعة.

معاشر المؤمنين!

لقد تعامل يوسف عليه السلام وهو النبي مع الملك المشرك، ولم يكن سلبيا كما يقول المَثَل: “أَخْطَا رَاسِي واضْرَبْ”، ولم يقتصر يوسف عليه السلام على الصبر والدعاء.

نعم الصبر مطلوب والدعاء مطلوب. والمطلوب اليوم أن يكون المؤمن إيجابيا. وتتمثل هذه الإيجابية في العمل على الحدّ من الفساد.

وقد دعانا ربنا إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وما نالت الأمة خيريتها إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ (سورة آل عمران: 110).

وأن نسعى إلى إصلاح ما استطعنا إصلاحه، وقد أمرنا ربنا عزّ وجلّ بذلك في قوله:

فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ (سورة التغابن: 16)،

فما نستطيعه يجب أن نفعله؛ فإذا كنت قادرا على نفع إخوانك فافعل، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {مَنِ اسْتَطَاعَ مِنكُم أَنْ يَنْفَعَ أَخَاهُ فَلْيَفْعَلْ} (مسلم).

ويمكن أن أنفع المؤمنين بالنهي عن المنكر، وذلك بتقليل الفساد، والفساد في تونس لا يخفى على أحد،

ورسولنا صلى الله عليه وسلم يقول:

{مَن رَأَى مِنكُم مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بيَدِهِ، فإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسانِهِ، فإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وذلكَ أضْعَفُ الإيمانِ} (مسلم).

وما يمكنك فعله أيها المصلي لتخفيف الفساد حسن اختيارك للرئيس القادم. وقد سألني أحد المصلين في الأسبوع الماضي:

من أين لك أن تقول: انتخبوا الأقل فسادا إذا انعدم الصالح والأصلح؟

مَنْ مِن العلماء قال بذلك؟ أقول لحضراتكم من هذا المنبر بكل أسف أنه لم تعد للتونسيين ثقة بمشايخهم.

هل هناك مرجعية دينية في تونس؟ للأسف لا نجد. وما قلته من انتخاب الأقل فسادا في غياب الأصلح والصالح هو من عمومات النصوص الشرعية من كتاب وسنة،

وقد قعّد ساداتنا الفقهاء جملة من القواعد الفقهية مثل: “الضرر يزال”، و”ترتكب المفسدة الصغرى لتحصيل المصلحة الكبرى”،

وقد تحدث ساداتنا العلماء عن مثل هذا في الحديث عن صفات ولي الأمر في كتب السياسة الشرعية، وفي فقه الموازنات.


ولقائل أن يقول: كيف ليوسف أن يطلب المسؤولية ويزكي نفسه، وديننا ينهى عن ذلك؟

يقول الحق تبارك وتعالى: فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى (سورة النجم: 32)،

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن طلب منه أن يوليه الإمارة:

{إنَّا لا نُوَلِّي هذا مَن سَأَلَهُ، ولَا مَن حَرَصَ عليه} (متفق عليه).

والرسول صلى الله عليه وسلم لما قال هذا قاله في زمن يُطَبَّق فيه القرآن،

ويسود فيه الصلاح، والفساد فيه يكاد يكون منعدما.

أما اليوم فقد عمّ الفساد، وبعد الناس عن شرع الله، فباختيارنا للأقلّ فسادا عند انعدام الصالح والأصلح سعي لتضييق دائرة الفساد في بلدنا.

ولأجل هذا تولى يوسف المسؤولية في زمن الفساد ومع الملك الكفر، ولو لم يتولاها لمات الناس جوعا ولَهَلَكُوا جميعا.

أما إذا كنا سلبيين وتركنا أهل الفساد يعيثون في الأرض فسادا لحلّ بنا عقاب الله، كما في قصة القرية التي خسفت؛

جاء في القصة التي ذكرها البيهقي في شعب الإيمان: (أن الله تعالى أوحى إلى ملك من الملائكة أن يخسف بقرية،

فقال الملك: يا رب كيف أخسف بهم وفيهم فلان رجل صالح؟ قال: به فابدأ،

فإنه لم يتمعر وجهه فيّ يوماً قط)، بُدِئَ به لأنه اقتصر على صلاح نفسه،

ولم ينه عن المنكر. وضرب لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم مثلا بقوم في سفينة، فقال: {مَثَلُ القائِمِ علَى حُدُودِ اللَّهِ والواقِعِ فيها،

كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا علَى سَفِينَةٍ، فأصابَ بَعْضُهُمْ أعْلاها وبَعْضُهُمْ أسْفَلَها، فَكانَ الَّذِينَ في أسْفَلِها إذا اسْتَقَوْا مِنَ الماءِ مَرُّوا علَى مَن فَوْقَهُمْ، فقالوا:

لو أنَّا خَرَقْنا في نَصِيبِنا خَرْقًا ولَمْ نُؤْذِ مَن فَوْقَنا، فإنْ يَتْرُكُوهُمْ وما أرادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا،

وإنْ أخَذُوا علَى أيْدِيهِمْ نَجَوْا، ونَجَوْا جَمِيعًا} (البخاري).

وسفينتنا هي بلادنا تونس، فإذا لم نساهم في الانتخابات، أو لم ننتخب الأقل فسادا عند انعدام الصالح والأصلح،

فسنكون مساهمين في إطالة عمر الفساد، ولربما جاءنا من يمنعنا من الصلاة،

ويمنع نساءنا من الحجاب. فلا بد من المساهمة في الإصلاح،

وقد تكلمنا في خطبة سابقة عن قول الله تعالى: وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (سورة الأعراف: 170)،

فالذي تمَسَّكَ بالكتاب وأقام الصلاة اعتبره الله مصلحا؛ لأنه صالح في نفسه بإقامته الصلاة،

مصلح لغيره باعتباره متمسك بالكتاب الذي هو منهج حياة يدعوك إلى الأخلاق الفاضلة والقيم النبيلة. 


(الخطبة الثانية): من مستلزمات الصلاح والإصلاح: العلم؛ لأن الجهل مصيبة، وأول كلمة أنزلت:

اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (سورة العلق: 1)،

علم مع أخلاق؛ لأن العلم بدون أخلاق يعني الدمار. وأول العلم: العلم بالقرآن لأنه دستورنا،

ولما فيه من دعوة إلى أفضل الأخلاق،

وقد سئلت عائشة رضي الله عنها عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: (كان خلقه القرآن).

واليابان اعتمدت في نهضتها على القيم النبيلة،

ولما سئل رئيس وزراء اليابان عن سرّ نهضتهم قال: “علم زائد عمل زائد أخلاق يساوي حضارة”.

وما يريده أعداؤنا أن نظل على جهلنا حتى تُنْهَب ثرواتنا، وتُبْتَزُّ خيراتنا، ولا تقوم لنا قائمة،

كما قال رسولنا صلى الله عليه وسلم: {يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها.

فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ؟ قال: بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل،

ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم،

وليقذفن الله في قلوبكم الوهن. فقال قائل: يا رسول اللهِ! وما الوهن؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت} (أبو داود).

وبهذه المناسبة ندعوكم إلى التعلم، والفرع الزيتوني بجامع الفتح ببنزرت

يفتح أبوابه للترسيم وإعادة الترسيم قبيل صلاة الظهر يومي السبت والأحد.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

{مَن سلَك طريقًا يطلُبُ فيه عِلْمًا، سلَك اللهُ به طريقًا مِن طُرُقِ الجَنَّةِ، وإنَّ الملائكةَ لَتضَعُ أجنحتَها رِضًا لطالبِ العِلْمِ} (أبو داود).