23 يوليو 2024

إعطاء الزكاة للجمعيات الّتي تؤوي فاقدي السّند

إعطاء الزكاة للجمعيات الّتي تؤوي فاقدي السّند

بسم الله الرحمن الرّحيموالصّلاة والسّلام على أشرف المرسلين

مال الزّكاة ـ سواء كانت زكاة مال أو زكاة الفطر ـ هو مال الله تعالى خصّ به مصارف معيّنة، ومن هذه المصارف

الفقراء والمساكين، ومن هنا اكتسب هذا المال حرمة وحماية ما يجعل المتصرّف فيه على خطر عظيم إذا تصرّف

فيه دون إذن من صاحبه الّذي أمر بإخراجه، ثمّ من صاحبه الّذي استحقّه بإذن من الله تعالى. وقد جاءت أحكام

الشريعة بضوابط دقيقة في جمع الزّكاة ودفعها حتّى تحول دون تفويت مقاصدها من هذه العبادة، وتقطع الطّريق أمام

أناس نصّبوا أنفسهم ـ قديما وحديثا وتحت عناوين مختلفة ـ وكلاء على الفقراء والمساكين يأخذون الزّكاة بدلا

عنهم، يعطونهم منها بمقدار وتقتير، ويعطونهم ما قد لا يحتاجون إليه من العروض والأمتعة، ويمنعونهم من أشياء

قد يكونون أحوج إليه ممّا سواه. وأهمّ هذه الضّوابط ما يلي: الضّابط الأوّل: تمليك مال الزّكاة بعينه ـ ذهبا أو فضّة

أو نقدا أو حرثا أو ماشية ـ لمستحقّي الزّكاة، بحيث يصبح الفقير أو المسكين مالكا له، يتصرّف فيه مطلق التّصرّف

وينفقه فيما يريد، دون وصاية من أحد. الضّابط الثّاني: دفعها لفقراء الموطن الّذي تُخرج فيه، فلا يجوز نقلها إلى

فقراء بلد آخر، إلاّ إذا لم يكن في هذا البلد مال زكاة يكفيهم، فينقل منه جزء ويوزّع الباقي على فقراء موطنه.

الجمعيات الخيرية في تونس .. حين يوظّف الفقر لخدمة أطراف حزبية “مدنين  نموذجا”‎ – تونس – أخبار تونس

الضّابط الثّالث: التّوزيع الفوري لمال الزّكاة؛ لأنّ تأخير الزّكاة عن وقت وجوبها حرام. الضّابط الرّابع: وهو خاصّ

بمن يكلّف نفسه مهمّة جمع الزّكاة وتوزيعها: أن يكون متّصفا بصفة العدالة الشرعية، وهي كما عرّفها العلماء:

“السّلامة من أسباب الفسق وخوارم المروءة”، ومعنى أسباب الفسق: ارتكاب الكبائر والإصرار على الصّغائر.

ومعنى خوارم المروءة: ارتكاب ما يخلّ بالأخلاق الحميدة أمام النّاس. ولذلك قال إمامنا مالك رحمه الله تعالى: لا

تُعطى الزّكاة إلاّ لمثل عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه. ولا يجوز أن يقف شخص أو هيئة أو جمعية أو حتّى

الدّولة حائلا دون تحقيق هذه الأحكام. وعليه، فما تفعله بعض الجمعيات الّتي تقبض الزّكوات من مخرجيها،

وتحوّلها إلى عروض ومقتنيات استهلاكية كطعام وثياب ونحو ذلك، ثمّ توزّعها على الفقراء والمساكين، أو تنقلها

من مكان إلى مكان آخر، أو تؤخّر توزيعها على مستحقّيها بتقسيطها عليهم في المواسم والأعياد، كلّ ذلك أمر غير

جائز، ويدخل في تعطيل أحكام الشرّع، ويتحمّل دافعها مسؤولية إعادة إخراجها نقدا. وهذا، لأنّ الجمعية ما هي إلاّ

وكيلة عن الغنيّ في تنفيذ ما يجب عليه شرعا في مال الزّكاة، ومهمّتها تنحصر في العمل بأحكام الشرع كما بيّنها

الفقهاء، وليس لها صلاحيات التبديل والتغيير. وعليه، فإنّ الجمعية الّتي تؤوي أطفالا قصّرا أو غير قصّر، سواء

كانوا أيتاما أو تخلّى عنهم آباؤهم، فإنّ المال الّذي يدفع لها بعنوان الزّكاة دون أن يخصّص الدّافع أطفالا معيّنين،

فإنّ ذلك المال يقسّم بين نزلاء الجمعية بالسّوية، ويسجّل ذلك لهم بأسمائهم في حساب خاص بكلّ منهم تحت رقابة

عدول من المسلمين، حتّى لا يختلط بزكاة أخرى تدفع للجمعية في وقت آخر ازداد فيه النزلاء،

الجمعيات الخيرية في تونس: الوجه الآخر من الأزمة !

فلا يجوز أن ينتفع كلّ

نزيل بمال غيره. وصفة الجمعية معهم أنّها تنفق عليهم بالوكالة عن أوليائهم غير المعروفين، وليست لها صفة

الولاية الشرعية أصالة، فتنفق على كلّ منهم فيما يحتاجه من طعام، ولباس، ودواء، وتنظيف، وترفيه، وتعليم.

وليس للجمعية أن تنفق منه على القيّمين عليهم، ولا على لوازم العمل الإداري، ولا السيارات الإدارية ونحو ذلك؛

لأنّ هذا من مشمولات الدّولة المؤتمنة على رعاية فاقدي السّند، وأقلّ أحوالها أن توفّر البنية الأساسية لهذه

الرعاية. وأمّا مال الزّكاة فلا يجوز لأحد الانتفاع به إذا لم يكن من مصارفها. ويجب على الجمعية أن تحاسب كلّ

من بلغ الرشد من نزلائها بما استحقّه من مال الزّكاة وبما أنفقته عليه منه، ومن حقّه أن يطّلع على ذلك، وأن

تحاسب كلّ من غادرها من النّزلاء الّذين كَبَرُوا، وتسلّمهم ما بقي لهم من حقّهم في الزّكاة؛ لأنّه ملكهم. كما يجب

على الأغنياء الّذين يدفعون أموال زكاتهم إلى مثل هذه الجمعيات أن يتحقّقوا أوّلا من العدالة الشرعية للقائمين

عليها، فإن لم يكونوا عدولا، كأن يكونوا تاركي الصلاة أو مرتكبي المحرّمات، فلا يجوز دفعها لهم، وأن يراقبوا

وصول أموالهم لمستحقّيها كاملة لنزلاء الجمعية، وإلاّ فإن ما أعطوه لا تبرأ به ذمّتهم أمام الله تعالى. وننصح بعض

المنتصبين للإفتاء في أيّ موقع كانوا، أن تتّقوا الله في أموال الزّكاة، وأن لا تتعجّلوا في إصدار “فتاواكم” فيها،

قبل أن تحيطوا بتفصيلات أحكامها الشّرعية وما تتّصل به من أبواب أخرى في الشرع، فإنّ لمال الزّكاة حرمة

وقداسة، ولا أقلّ من تَحْذَروا من أن تطلقوا الأيدي في هذا المال تعبث فيه، والمقام لا يسمح بذكر التّجاوزات التي

اطلعت عليها، نسأل الله تعالى السّلامة. والله أعلم.

إعطاء الزكاة للجمعيات الّتي تؤوي فاقدي السّند