20 يوليو 2024

كيف أكفر عن ذنوبي وسيئاتي وأرضي ربي؟ وما السبيل لتعلم دين الله؟

السؤال

السلام عليكم

أنا شاب في الثلاثين من عمري، وأريد أن أسأل كيف أرد نفسي إلى فطرتها الإيمانية الصحيحة بعد سنوات من التكاسل، والبعد عن الله، وارتكاب المعاصي والتوبة منها، والعودة إليها؟

خصوصًا أني عصيت عصيانًا كثيرًا كرؤية المحرمات والمنكرات، وهي أكثر معصية تؤرقني، ولكني -الحمد لله- لم أزن في حياتي أبدًا، ولم أكن أصلي بشكل منضبط في الصلاة حتى عمر الـ22، أو 23، بالإضافة إلى معاصي أخرى، منها ما قطعته، ومنها ما زالت كالغيبة منذ فترة لأخرى.

ما أقوله هو: كيف لي أن أعوض ما فاتني من أجر وأن أكون مرضيًا لربي قدر ما أستطيع، وأن أنجو من عذاب ربي في الدنيا والآخرة؟

ما هو السبيل لتعلم دين الله والفقه والعقيدة حتى ألقى الله سبحانه وتعالى، وأنا على قدر من العلم ما يكفيني لأحفظ ماء وجهي عند خالقي سبحانه وتعالى؟ كيف أبدأ وبماذا؟ وما هي الكتب التي أبدأ بها؟ وكيف أدرسها؟ 

أنا فقط مناي وغايتي أن يغفر لي ربي ما فات، الكبائر والصغائر والجزاء الحسن، هذا من عندالله، والله كريم عفو إن أعطى أبهر بعطائه، أنا والله فقط أريد أن يغفر لي، وأن يسامحني على ما عملت، وأن يتفضل علي يكرمني ويدخلني الجنة، فأنا راض بما يقسمه لي هناك؛ لأن غفرانه لي سيئاتي، من منة وفضل وأكثر مما أستحق بأضعاف مضاعفة، فما العمل وما الحل؟ وما السبيل؟

وجزاكم الله خيرًا.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: 

أهلا بك -أخي الحبيب- ونحن سعداء بتواصلك معنا، ونسأل الله أن يبارك فيك، وأن يحفظك، وأن يقدر لك الخير حيث كان وأن يرضيك به.

بخصوص ما سألت عنه فنحب أن نجيبك من خلال هذه النقاط: 
أولاً: لا بد أخي الحبيب أن تعلم أن سعة رحمة الله لا يحدها حاد، وأن الله يقبل التوبة من عبده بسعة رحمة الله عز وجل، وهذه بعض الأدلة البسيطة التي تظهر لك عظيم سعة فضل الله عز وجل:
قال تعالى: { كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ }، {وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ} وقوله تعالى: {فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ}، وقوله تعالى: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ}، وانظر إلى قول الله كل شيء، كل شيء مهما عظم أو كبر فرحمة الله تشمله، ولعل أعظم ما يدل على ذلك -أخي الفاضل- قوله تعالى: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ)، فمن فعل الذنوب حتى أسرف، وجاوز الحد الله يخاطبه بأن لا يقنط، وأن الله سيغفر ذنبه.

أما السنة فسنذكر لك ما رواه البخاري في صحيحه عن أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ أَرْسَلَتْ ابْنَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِ إِنَّ ابْنًا لِي قُبِضَ فَأْتِنَا فَأَرْسَلَ يُقْرِئُ السَّلَامَ، وَيَقُولُ إِنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ، وَلَهُ مَا أَعْطَى، وَكُلٌّ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ، فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ تُقْسِمُ عَلَيْهِ لَيَأْتِيَنَّهَا، فَقَامَ وَمَعَهُ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، وَمَعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَرِجَالٌ فَرُفِعَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّبِيُّ وَنَفْسُهُ تَتَقَعْقَعُ، قَالَ: حَسِبْتُهُ أَنَّهُ قَالَ كَأَنَّهَا شَنٌّ، فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ، فَقَالَ: سَعْدٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا هَذَا، فَقَالَ: هَذِهِ رَحْمَةٌ جَعَلَهَا اللَّهُ فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ.

وروى البخاري في صحيحه عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبْيٌ، فَإِذَا امْرَأَةٌ مِنْ السَّبْيِ تَحْلُبُ ثَدْيَهَا تَسْقِي إِذَ وَجَدَتْ صَبِيًّا فِي السَّبْيِ أَخَذَتْهُ فَأَلْصَقَتْهُ بِبَطْنِهَا وَأَرْضَعَتْهُ، فَقَالَ لَنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَتُرَوْنَ هَذِهِ طَارِحَةً وَلَدَهَا فِي النَّارِ قُلْنَا لَا وَهِيَ تَقْدِرُ عَلَى أَلَا تَطْرَحَهُ، فَقَالَ: لَلَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِهَا.

وعند البخاري أيضا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَمَّا قَضَى اللَّهُ الْخَلْقَ كَتَبَ فِي كِتَابِهِ فَهُوَ عِنْدَهُ فَوْقَ الْعَرْشِ إِنَّ رَحْمَتِي غَلَبَتْ غَضَبِي.

وفي الصحيحين عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الرَّحْمَةَ يَوْمَ خَلَقَهَا مِائَةَ رَحْمَةٍ فَأَمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعًا وَتِسْعِينَ رَحْمَةً، وَأَرْسَلَ فِي خَلْقِهِ كُلِّهِمْ رَحْمَةً وَاحِدَةً.

وروى الإمام أحمد وغيره عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال في حديث الشفاعة الطويل: ( ثم يقال : ادعوا الصديقين فيشفعوا، ثم يقال: ادعوا الأنبياء، قال: فيجيء النبيُّ ومعه العِصابة، والنبي ومعه الخمسةُ والستة، والنبي وليس معه أحد، ثم يقال: ادعوا الشهداء فيشفعون لمن أرادوا، وقال: فإذا فعلت الشهداء ذلك، قال: يقول الله عز وجل: أنا أرحم الراحمين، أَدْخِلُوا جَنَّتِي من كان لا يُشْرِك بي شيئًا ). قال: ( فيدخلون الجنة … ).

وروى الترمذي وغيره عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: قال الله: يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان فيك ولا أبالي، يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء، ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي، يا ابن آدم إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة.

وروى مسلم في صحيحه عن أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: « لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضِ فَلاَةٍ، فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ فَأَيِسَ مِنْهَا، فَأَتَى شَجَرَةً، فَاضْطَجَعَ في ظِلِّهَا قَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ، فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ إِذَا هُوَ بِهَا قَائِمَةً عِنْدَهُ فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا، ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ، أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ »، وهذا غيض من فيض -أخي الحبيب-.

– أكثر -أخي الحبيب- من النوافل فقد ورد في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (أول ما ينظر الله يوم القيامة من أعمال العبد الصلاة فإن تمت, وإلا قال الرب -جل وعلا-: انظروا هل لعبدي من تطوع)، وأجل الطاعات وأفضلها: نوافل الصلوات. 

– وما ذكرته عن المعاصي -أخي الحبيب- ننصحك بأمرين: 
– تأديب نفسك عند الخطأ: انظر إلى أي خطأ تقع فيه وافرض على نفسك عقابا مقابلًا، فمثلا إذا أخطأت في كذا تصدق بمبلغ كذا، أو صم يومًا أو يومين، المهم أن تكون العقوبة رادعة لك.

– ننصحك بالتعرف على أصدقاء صالحين، فإن المرء بإخوانه، والصاحب كما يقال ساحب.

– جميل منك أن تنهض لتعلم الشريعة، وعليك -أخي الحبيب- أن تبحث عن عالم، أو طالب علم شرعي تلزمه وتراجع معه، فإن تعثر ذلك، فيمكنك أن تستعين بعد الله بهذا الموقع، ففيه كافة المواد التي تجعل منك طالب علم متميز -إن شاء الله-.

نسأل الله أن يوفقك لكل خير، وأن يعينك على طاعته.
والله الموفق.