15 يونيو 2024

الاعتبار بمرور الأيام والأعوام (خطبة)

الاعتبار بمرور الأيام والأعوام

الخطبة الأولى

الحمد لله الذي كان بعباده خبيرًا بصيرًا، وتبارك الذي جعل في السماء بروجًا وقمرًا منيرًا،

وهو الذي جعل الليل والنهار خلفةً لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورًا،

وتبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرًا،

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له ملك السماوات والأرض، ولم يتخذ ولدًا، ولم يكن له شريك في الملك،

وخلق كل شيء فقدره تقديرًا، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، بعثه ربه هاديًا ومبشرًا ونذيرًا،

وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا،

أما بعد: فاتقوا الله عباد الله: ﴿ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ [الحشر: 18].

عباد الله: يقول الله تبارك وتعالى: ﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ ﴾ [آل عمران: 190]،

وقال تعالى: ﴿ إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ ﴾ [يونس: 6]،

وقال تعالى: ﴿ يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ ﴾ [النور: 44].

في هذه الآيات الكريمات يخبر الله تعالى عن الآيات الكونية الدالة على كمال علمه وقدرته،

وتمام حكمته ورحمته، ومن ذلك اختلاف الليل والنهار، وذلك بتعاقبهما، واختلافهما بالطول والقصر، والبرد والحر،

وما في ذلك من المصالح العظيمة لكل ما على الأرض، وكل ذلك من نعم الله تعالى ورحمته بخلقه،

التي لا يدركها إلا أصحاب العقول السليمة والبصائر النَّيِّرة،

الذين يدركون حكمة الله تعالى في خلق الليل والنهار والشمس والقمر، ويدركون ما في تعاقب الشهور والأعوام، وتوالي الليالي والأيام.

إن الله تعالى وتقدَّس جعل الليل والنهار خزائن للأعمال ومراحل للآجال، إذا ذهب أحدهما خلفه الآخر؛

وذلك لإنهاض همم العاملين إلى الخيرات وتنشيطهم على الطاعات؛

قال تعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا ﴾ [الفرقان: 62].

فعلى المؤمن أن يأخذ العبرة من مرور الليالي والأيام، فإن الليل والنهار يبليان كل جديد، ويقرِّبان كل بعيد،

ويطويان الأعمار، ويشيِّبان الصغير، ويفنيان الكبير، وكل يوم يمر بالإنسان، فإنه يبعده من الدنيا ويقرِّبه من الآخرة.

والليل فاعلم والنهار كلاهما *** أَنْفَاسُنا فيها تُعَدُّ وَتُحْسَبُ

والسعيد عباد الله مَن حاسب نفسه، وتفكر في انقضاء عمره، واستفاد من وقته فيما ينفعه في دينه ودنياه،

ومن غفل عن نفسه تصرَّمت أوقاته، وعَظُمَ فواته، واشتدت حسراته، نعوذ بالله من التفريط والتسويف.

ونحن في هذه الأيام نودِّع عامًا ماضيًا شهيدًا، ونستقبل عامًا مقبلًا جديدًا، فعلينا أن نحاسب أنفسنا دوماً،

فمن كان مفرطًا في شيء من الواجبات، فعليه أن يتوب ويتدارك ما فات، وإن كان ظالِمًا لنفسه بارتكاب ما نهى الله ورسوله عنه،

فعليه أن يقلع قبل حلول الأجل، ومَنْ منَّ الله عليه بالاستقامة فليحمد الله على ذلك، وليسأله الثبات إلى الممات؛

قال الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوها قبل أن توزنوا، وتزيَّنوا

للعرض الأكبر: ﴿ يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ ﴾ [الحاقة: 18].

المحاسبة تزكي النفس وتطهرها، وتلزمها أَمْر ربها، فيفلح صاحبها ويفوز برحمة الله ورضوانه؛

قال تعالى: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ﴾ [الشمس: 9، 10]،

قال مالك بن دينار رحمه الله: “رحم الله عبدًا قال لنفسه: الست صاحبة كذا؟ ألست صاحبة كذا؟ ثم زمها ثم خطمها، ثم ألزمها كتاب الله عز وجل، فكان لها قائدًا.”

فلينظر كل واحد إلى تقصيره، وليعزم عزمًا أكيدًا أن يحسن فيما يستقبله من أيام،

وليأخذ بالعزيمة الصادقة مع ربه على أن يكون عامه الجديد خيرًا مما قد مضى،

فالنفس سريعة التقلب ميَّالة إلى الشر كما أخبر بارئها عنها بقوله:

﴿ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [يوسف: 53].

والمحاسبة ليست مقصورة على نهاية العام أو بدايته، بل هي مطلوبة كل وقت وأوان،

فمن لازَمَ محاسبة النفس استقامت أحواله وصلحت أعماله، ومن غفل عن ذلك ساءت أحواله، وفسدت أعماله.

ومما يؤسف له أن كثيرًا من الناس إذا بدأ العام يَعِدُ نفسه بالجد والعزيمة الصادقة لإصلاح حاله،

ثم يمضي عليه اليوم بعد الأيام والشهر بعد الشهور، وينقضي العام وحاله لم يتغير،

فلم يزدد من الخيرات ولم يتب من السيئات، وهذه علامة الخيبة والخسران:

﴿ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: 185].

عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: أخذ رسول الله بمنكبيَّ،

فقال: (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل)،

وكان ابن عمر رضي الله عنهما يقول: (إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك)؛

فلا بد للعاقل من اغتنام الأوقات، والحث على قِصَرِ الأمل، وتقديم التوبة والاستعداد للموت، وعدم الاغترار بالدنيا،

وذلك أن الدنيا فانية، مهما طال عمر الإنسان فيها، فهي دار ممر لا دار مقر، وكل نفس ذائقة الموت،

وهذه حقيقة مشاهدة، نراها كلَّ يوم وليلة، ونحس بها كلَّ ساعة ولحظة، وإذا كان الإنسان لا يدري متى ينتهي أجله ويأتيه الموت،

فعليه أن يستعد للرحيل، وأن يكون عابر سبيل، فلا يركن إلى الدنيا ولا يتعلق بها،

ولا يتخذها وطنًا ولا تحدثه نفسه بالبقاء فيها، فلا يتعلق منها إلا بما يتعلق به الغريب في غير وطنه الذي سيفارقه مهما تكن راحته وهناؤه،

وأن يكون فيها كالمسافر الذي يكتفي بسفره بالقليل الذي يساعده على بلوغ غايته وتحقيق مقصده، بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم.

الخطبة الثانية : الاعتبار بمرور الأيام والأعوام

الحمد لله وكفى وسمع الله لمن دعا..

عباد الله، الواجب علينا ونحن نستقبل عامًا جديدًا أن نغتنم الأوقات،

ونبادر بالأعمال الصالحة قبل الفوات؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ)؛ أخرجه البخاري،

الغبن

والغبن هو: النقص والخسارة، فكثير من الناس خاسرون؛ لأنهم لم يستفيدوا من هاتين النعمتين،

وهما: الصحة والفراغ، فهم يضيعون أوقاتهم أيام صحتهم، ويضيعون وقت فراغهم،

فلا هم استفادوا منه في أمر دينهم، وهو الأهم، ولا في أمر دنياهم.

إن نعمتا الصحة والفراغ من أجلِّ نعم الله التي وهبها لعباده، ومع أن هاتين النعمتين متاحتان لكثير من الناس،

إلا أن التفريط فيهن سمةٌ بارزةٌ لكثيرٍ منهم، ولو أنهم عرفوا أهمية هذه النعم

وعملوا على توظيفها فيما أراده الله تعالى، لزادت نِسبُ الخير ومعدلات النجاح والتميز بين أفراد المجتمع.

اللهم اجعل خير أعمالنا خواتمها، وخير أعمارنا آخرها، وخير أيامنا يوم لقائك،

اللهم أعزَّ المسلمين بطاعتك، ولا تذلهم بمعصيتك، اللهم اجعل عامنا هذا

وما بعده عام أمن وعزٍّ ونصر للإسلام والمسلمين، وأسبغ علينا نعمك، وارزقنا شكرها،

واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين.

الاعتبار بمرور الأيام والأعوام