20 يونيو 2024

الفرار إلى الله

الفرار إلى الله شيخ :دكتور عمر بن عمر

الفرار إلى الله

تمرّ الأمة اليوم بحراك كبير من السودان إلى الجزائر مرورا بليبيا، والكل في فرار من الفساد إلى الإصلاح،

وفرار من الاستبداد إلى الحرية، ومن الظلم إلى العدل، و”العدل” من أسماء الله الحسنى:

وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (سورة فصلت: 46). والله نسأل أن ينصر الصالحين منهم على الفاسدين المفسدين،

وأن يولي عليهم خيارهم، وينتقم من شرارهم، وأن يديم علينا وعلى إخوتنا المؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها نعمة الأمن والأمان، والسلم والسلام.

لأجل هذا أيها المؤمنون الكرام، رأيت أن يكون حديثي إليكم عن الفرار إلى الله في وقفة مع قول الله تعالى: فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (سورة الذاريات: 50).

أركان الفرار

وأركان الفرار إلى الله ثلاثة: الفارّ، والمفرور منه، والمفرور إليه. والفارّ هو العبد، والمفرور منه هو الشيء الذي نخاف منه،

والمفرور إليه وهو من يحمي العبد مما يخافه. والفرار إلى الله هو الهروب والرجوع إليه؛ لأن في الرجوع لغيره العديد من المخاوف والمكاره، وفي الرجوع إليه الأمن والسعادة والفوز.


وقول الله تعالى: فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ من أعظم آيات القرآن الكريم؛ فهي تجمع بين الخوف والرجاء: الخوف من الله تعالى، واللجوء إليه سبحانه، إذ لا منجى ولا ملجأ منه إلا إليه؛ فنفرّ من ضعفنا إلى قوة ربنا،

وهذا يظهر جليا عندما أمرنا رسولنا صلى الله عليه وسلم عندما نأوي إلا فراشنا أن نتوجه إلى ربنا بالدعاء،

جاء ذلك في قوله صلى الله عليه وسلم: {إذا أتَيْتَ مَضْجَعَكَ، فَتَوَضَّأْ وضُوءَكَ لِلصَّلاةِ، ثُمَّ اضْطَجِعْ علَى شِقِّكَ الأيْمَنِ،

وقُلْ: اللَّهُمَّ أسْلَمْتُ نَفْسِي إلَيْكَ، وفَوَّضْتُ أمْرِي إلَيْكَ، وأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إلَيْكَ، رَهْبَةً ورَغْبَةً إلَيْكَ، لا مَلْجَأَ ولا مَنْجا مِنْكَ إلَّا إلَيْكَ،

آمَنْتُ بكِتابِكَ الذي أنْزَلْتَ، وبِنَبِيِّكَ الذي أرْسَلْتَ، فإنْ مُتَّ مُتَّ علَى الفِطْرَةِ فاجْعَلْهُنَّ آخِرَ ما تَقُولُ فَقُلتُ أسْتَذْكِرُهُنَّ: وبِرَسولِكَ الذي أرْسَلْتَ. قالَ: لا، وبِنَبِيِّكَ الذي أرْسَلْتَ} (البخاري).

فرار من شيء يخافه الإنسان إلى شيء يأمنه


والفرار إلى الله هو فرار من شيء يخافه الإنسان إلى شيء يأمنه، ولا شيء آمن من الله!

والولد الصغير إذا خاف شيئا فرّ إلى أمه، وليس هناك أرحم من الأمّ ولا أحنّ منها – رحم الله أمهاتنا وآباءنا، وأصلح ذرياتنا-

وما أمر الله تعالى بالفرار إليه إلا للدلالة على أنه أرحم بنا من كل من سواه؛

حتى إنه {قَدِمَ علَى رسول الله صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ سَبْيٌ، فَإِذَا امْرَأَةٌ مِنَ السَّبْيِ قدْ تَحْلُبُ ثَدْيَهَا تَسْقِي، إذَا وجَدَتْ صَبِيًّا في السَّبْيِ أخَذَتْهُ،

فألْصَقَتْهُ ببَطْنِهَا وأَرْضَعَتْهُ، فَقَالَ لَنَا النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: أتُرَوْنَ هذِه طَارِحَةً ولَدَهَا في النَّارِ

قُلْنَا: لَا، وهي تَقْدِرُ علَى أنْ لا تَطْرَحَهُ، فَقَالَ: لَلَّهُ أرْحَمُ بعِبَادِهِ مِن هذِه بوَلَدِهَا} (البخاري).

المخاطبون بالفرار

والمخاطبون بالفرار هم عباد الله عموما.

والفارون صنفان: إما فارّ من الشيطان إلى الله الرحيم الرحمان، وإما فارّ من الرحمان إلى أحضان الشيطان.

وربكم يأمركم بالفرار إليه، ولكن من ماذا؟ الفرار من شهوات النفوس حتى لا تهلكنا المعاصي.

الفرار من ذل المعصية إلى حلاوة الطاعة. والفرار من الشيطان ووسوسته إلى الله ومنهجه، ففروا من صوت الشيطان إلى صوت الرحمان،

وقد قال لكم ربكم: أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آَدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (60) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (61) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (سورة يس: 62).

أين عقلك أيها المسلم؟ إما أن تكون عبدا لله أو عبدا للشهوات والملذات المحرمات، وما جاءت الشريعة إلا لإخراج المكلفين عن دواعي أهوائهم،

وقد قال لكم نبيكم صلى الله عليه وسلم: {الكَيِّسُ مَن دان نفسَه وعمِل لما بعدَ المَوتِ والعاجِزُ مَن أتبَعَ نفسَه هواها وتمنَّى على اللهِ} (الترمذي).

والفرار إلى الله يكون بالتوبة إليه، وربكم تواب رحيم: وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (سورة الشورى: 25)،

وقد بشّر الله العصاة بالمغفرة في قوله تعالى: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (سورة الزمر: 53).


ويكون الفرار إلى الله باتباع أوامره، واجتناب نواهيه، وقد قال لكم ربكم:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (سورة الأنفال: 24).

فرار من ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة

الفرار إلى الله هو فرار من ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة، وفرار من الغفلة إلى اليقظة والذكر، ومن ضيق الصدر إلى اطمئنان النفس وراحة البال،

وفرار من الجهل إلى العلم، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى نور المعرفة والعلم. والجهل مصيبة، وعدم العمل بالعلم كارثة،

والذي يعلم ولا يعمل أجهل الجهلاء، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (سورة الصف: 3)،

جعلنا الله وإياكم من العلماء العاملين المخلصين.


أيها المؤمنون الكرماء، لتكن هذه الآية: فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ شعارنا استعدادا لاستقبال شهر رمضان المعظم، وشعارنا في كل تحركاتنا ضد الفساد والمفسدين.

احرصوا على أن تتغلغل هذه الآية في قلوبكم، وتحتلّ أكبر مساحة من عقولكم، ثم انظروا ما تصنعه فيكم، فإنها ستسمو بكم إلى عليين،

وتقودكم إلى الفلاح في الدنيا والدين. وكلما صحّ فرارنا إلى الله تذوقنا ألوانا من أسرار العبادات، تجعل قلوبنا يطمئن،

ونفوسنا تهدأ، وعقولنا تستريح، يقول الحق تبارك وتعالى: فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124)

قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (125) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آَيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (سورة طه: 126).

فمن استكمل الفرار إلى الله فقد استكمل الدين كله، وقد زال عنه المرهوب، وحصلت له نهاية المراد والمطلوب.

عقاب الله إلى رحمته


فاهربوا – عباد الله – من عقاب الله إلى رحمته، وذلك بالإيمان به، واتباع أمره، والعمل بطاعته.

وقد أنذركم رسولكم صلى الله عليه وسلم: إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ أنذرنا بعقاب الله، وأخافنا من عذابه الذي حلَّ بالأمم السابقة الذين وردت قصصهم في كتاب الله.

وكما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم (نَذِيرٌ مُبِينٌ)، فهو بشير، يبشر أمته بالخير إن فرت إلى ربها،

قال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (سورة سبأ: 28). 


والفرار إلى الله لا يتم إلا بالتوكل عليه والالتجاء إليه، والبراءة من الحول والقوة إلا به، فلا يغرنّكم جاهكم ولا سلطانكم،

وكثرة أموالكم، ورددوا صباحا مساءً دعاء نبيكم صلى الله عليه وسلم: {اللَّهمَّ رحمتَكَ أرجو، فلا تكِلْني إلى نفسي طرفةَ عينٍ، وأصلِحْ لي شأني كلَّه لا إلهَ إلَّا أنتَ} (صحيح ابن حبان).

واستحضروا قصة صاحب الجنة التي في سورة الكهف: وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا (35) وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا (سورة الكهف: 36)،

فأجابه صاحبه المؤمن بما ذكره الله تعالى: وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا (سورة الكهف: 39) إلى آخر القصة.

ولا تنسوا الدعاء، فهو عين الفرار إلى الله، وفي الدعاء ذكر لله، ومن ذكر الله ذكره، قال تعالى: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (سورة البقرة: 152)،

وفي الحديث القدسي؛ {يقولُ اللَّهُ تَعالَى: أنا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بي، وأنا معهُ إذا ذَكَرَنِي، فإنْ ذَكَرَنِي في نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ في نَفْسِي،

وإنْ ذَكَرَنِي في مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ في مَلَإٍ خَيْرٍ منهمْ، وإنْ تَقَرَّبَ إلَيَّ بشِبْرٍ تَقَرَّبْتُ إلَيْهِ ذِراعًا، وإنْ تَقَرَّبَ إلَيَّ ذِراعًا تَقَرَّبْتُ إلَيْهِ باعًا، وإنْ أتانِي يَمْشِي أتَيْتُهُ هَرْوَلَةً} (البخاري).

فأكثروا معاشر المؤمنين من الدعاء؛ وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم: {الدُّعاءُ هو العبادةُ قَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} (البخاري).

نسأل الله أن يعز الإسلام والمسلمين، وينصر إخواننا في الجزائر وليبيا والسودان وفلسطين، وأن يفرج عن إخواننا في سوريا واليمن،

وأن يطلق سراح المسجونين من المظلومين في مشارق الأرض ومغاربها، وأن يبلغنا رمضان ونحن في صحة معافين، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وهو أرحم الراحمين.

 يمكنكم متابعة برامج قناة الانسان و الموقع نور الاسلام