15 يونيو 2024

من الاعتداء في الدعاء..الدعاء على الأولاد

من الاعتداء في الدعاء..الدعاء على الأولاد

من الاعتداء في الدعاء..الدعاء على الأولاد

لقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الدعاء على الأولاد والأنفس والخدم ،

فقد روى الإمام مسلم وأبو داوود عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

لا تدعوا على أنفسكم ولا تدعوا على أولادكم ولا تدعوا على خدمكم ولا تدعو على أموالكم،

لا توافقوا من الله ساعة نَيْلٍ فيها عطاء فيستجيب لكم،ولفظ رواية الإمام مسلم

لا توافقوا من الله ساعة يُسأل فيها عطاء فيستجيب لكم.


وقال العلماء:والنهي في هذا الحديث للتحريم، فلا يجوز لأحد أن يدعو على أولاده،

كما لا يجوز أن يدعو على نفسه وخدمه وماله ،لأنّه قد يستجيب الله له دعاءه على ولده فيبوء بسوء عمله.


والأصل في الإنسان السوي أن يدعو لأولاده بالخير والصلاح والهداية والتوفيق،

ومن تكريم الله للأبوين أن جعل دعاءهما لأولادهما مستجاباً ، فقد روى البخاري في الأدب المفرد:


?عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ثلاث دعوات مستجابات لاشك فيهن:
دعوة المظلوم، ودعوة المسافر،

ودعوة الوالد لولده.


✍?قال المناوي في كتابه *فيض القدير* :
ودعوة الوالد لولده لأنه صحيح الشفقة عليه،كثير الإيثار له على نفسه،فلما صحّت شفقته استُجيبت دعوته،

لكن اعتاد بعض الناس كلما غضبوا من أولادهم أن تنطلق ألسنتهم بالدعاء عليهم بالويل والثبور وعظائم الأمور،

فجاء هذا التوجيه النبوي العظيم “لا تدعوا على أولادكم” بالنهي عن ذلك ومنعه،

لما قد يترتب عليه من عواقب سيئة تلحق بالأولاد، والوالدان أول من يكتوي ويتألم إن أصاب أولادهما مكروه.


وقد يرد هنا سؤال: لقد مر معنا? قول النبي صلى الله عليه وسلم:

لا يزال يُستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم ، فكيف قد يُستجاب للأبوين إذا دعوا على ولدهما ؟؟!!


 فالجواب :


أن الاستجابة هنا من باب العقوبة لا من باب التكريم،لأن الأبوين في ساعة الغضب

هذه تخليا عن رحمة الأبوة والأمومة في قلبيهما،

واعتديا على فطرة الله تعالى فيما غرسه في قلبيهما من الشفقة والرأفة،وتخليا عن وظيفتهما

وواجبهما في إصلاح ولدهما بدلاً من الدعاء عليه ،

وكان الواجب الفطري والعقلي غير ذلك ، فلما خالفا هذا الواجب عوقبا باستجابة دعائهما.


وقد ذكر لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم مثالاً واقعياً على ذلك لأمٍّ دَعَتْ على ولدها مع أنه كان عابداً وصالحاً فاستجاب الله دعاءها فيه، 

?وهذه القصة رواها الإمام البخاري والإمام مسلم ،

خلاصة القصة :


?كَانَ رَجُلٌ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ يُقَالُ لَهُ جُرَيْجٌ، وكان عابداً اتخذ صومعة يتعبّد فيها، فَجَاءَتْهُ أُمُّهُ ، فَدَعَتْهُ ،

فَقَالَ في نفسه : أُجِيبُهَا أَوْ أُصَلِّي، فلم يجبها،ثُمَّ أَتَتْهُ مرة ثانية وثالثة فلم يُجبها فغضبت عليه فَقَالَتْ :

اللَّهُمَّ لاَ تُمِتْهُ حَتَّى تُرِيَهُ وُجُوهَ المُومِسَاتِ ، وكانت امرأة بغي يتمثل بحسنها، فقالت:

إن شئتم لأفتننه لكم -قال- فتعرضت له،

فلم يلتفت إليها، فأتت راعيًا كان يأوي إلى صومعته فأمكنته من نفسها، فوقع عليها فحملت، فلما ولدت قالت:

هو من جريج. فأتوه فاستنزلوه وهدموا صومعته، وجعلوا يضربونه، فقال: ما شأنكم؟ قالوا: زنيت بهذه البغي فولدت منك.

فقال: أين الصبي؟ فجاءوا به فقال: دعوني حتى أصلي، فصلى فلما انصرف أتى الصبي فطعن في بطنه،

وقال: يا غلام من أبوك؟ قال: فلان الراعي -قال- فأقبلوا على جريج يقبلونه ويتمسحون به

وقالوا: نبني لك صومعتك من ذهب. قال: لا أعيدوها من طين كما كانت، ففعلوا.


✍? قال بعض العلماء:لوكان جُريج فقيهاً لعلم أن إجابة أمه أولى من صلاته.ذ
والذي يهمنا من هذه القصة أن نقول:


? يا ترى هل قرت عين أم جريج بما جرى لولدها؟هل شُفيَ غيظها ؟ أم جلست تعض أصابعها ندماً

وتتضرع إلى الله أن يُنقذ ابنها من هذه التهمة الجائرة ، إلى أن برّأه الله منها ؟؟!!

وهناك كثير من القصص لأمهات دعون على أولادهن في ساعة غضب فاستجاب الله دعاءهن

فبقين يتجرّعن آلام الندم والحسرات على ما حل بأولادهن.

?منها قصة أمٍّ دعت على طفلتها التي كانت بمنتهى الشقاوة بالحرق بقولها(حريقةتاخدك)،

وقد شاء الله أن تموت ابنتها تلك نتيجة حريق اندلع في منزلها،فبقيت الأم سنوات

وهي تكابد الألم وتتجرع الحسرات على ما كان منها من تلك الدعوات.

?وقصة أمٍّ أخرى رفضت إعطاء ابنها مبلغاً من المال فجنّ جنونه ورفع صوته على والدته ،

فدعت عليه قائلة: (روح الله يبعتلك رصاصة) وكانت تلك الدعوة في ساعة استجابة ،

فقُتل ابنها برصاصة طائشة ،ومرّ على الحادثة حوالي خمسة عشر سنة والأم يتفطر قلبها من الألم وتتجرع الحسرات.

وفي تلك القصص نجد مصداق قول رسول الله صلى الله عليه وسلم،

وليكون هذا عبرة ودرساً لنا جميعاً حتى نلجم ألسنتنا فلا تنطلق بالدعاء على أولادنا وخدمنا.

⚡ إن الله تعالى قد أعطى الوالدين سلاح الدعاء ليحميا به ولدهما،

وليدعوا له بالخير والحفظ والصيانة والسلامة من الشرور ومن شياطين الإنس والجن ،

فلا يجوز استخدام هذا السلاح للطعن في الأولاد وليشفي الأبوان به غيظ نفوسهما مؤقتاً فيبقيا في حسرات مدى الحياة..!!.


✍?قال العلماء:


دعوة الأم على ولدها قد تُستجاب ولو كان فيها إثم أو قطيعة رحم عقوبة لها ، لأنها خالفت فطرة الله واعتدت عليها،

وبدّلت الرأفة والرحمة وجعلت مكانها حبّ الانتقام والتشفّي بالدعاء على الأولاد.


✍? قال العلامة الحافظ ابن رجب في كتابه”جامع العلوم والحكم” في معرض حديثه عن قوله صلى الله عليه وسلم لا تدعوا على أنفسكم ولا تدعوا على أولادكم ،

قال :هذا كله يدلُّ على أن دعاء الغضبان قد يُجاب إذا صادف ساعة إجابة،وأنه يُنهى عن الدعاء على نفسه وأهله وماله في الغضب.


ثم إن دعاء الوالدين على أولادهما يشتمل كذلك على قبائح عدة منها:

1⃣- قبح الانتصار لحظ النفس،والانتقام للذات:


فالغاضب ينطلق لسانه بهذه الدعوات ليشفي غضبه،وكان يُمكن أن يهدئ غضبه بالدعاء لولده بالصلاح والهداية ،

وقد ذكر أحد الشيوخ أنه حين كان غلاماً صغيراً كان يلعب بالتراب،

ومرّة بينما كانت والدته تستعد لتحضير وليمة أقامها أبوه،وقَََبْل حضور المدعوين

صار هذا الغلام يأخذ بيديه الصغيرتين التراب ويضعه فوق أطباق الوليمة،

فغضبت أمه، ودعت عليه قائلة :اذهب جعلك الله إماماً للحرمين،فاستجاب الله دعاءها ومرت الأيام وصار إماماً للحرم وخطيباً فيه.

2⃣- إغراق الولد في مزيد من التمرد والعناد والعقوق:


وقد جاء رجل إلى عبد الله بن المبارك يشكو إليه عقوق ولده ،

فسأله ابن المبارك :هل دعوت عليه؟ فقال :نعم،قال:اذهب فقد أفسدته،ولو دعوت له لكان خيراً لك وله.


✍?قال العلماء:


وهذا الجواب من ابن المبارك يدُلُّ على سعة علمه رحمه الله،


فإن الدعاء على الأولاد لن يزيدهم إلا فساداً وعناداً وعقوقاً وأول من يشتكي هذا العقوق هو من تسرّع بالدعاء على أولاده.

3⃣- عدم المبالاة من الأم أو الأب بما قد يجري على الأولاد وما قد يقع عليهم من آثار دعوة والديهم:


فقد يكون الدعاء سبباً في شقائه أو في مرضه أو في إعاقته ، فهل تحبّين أيتها الأم ،

وهل تحبّ أيها الأب ، أن يكون ولدك وهو فلذّة كبدك شقياً أو معاقاً أو قليل التوفيق ؟؟!!!،

بالطبع لا ترضى بذلك ، لذلك علينا أن ندعو لأولادنا كما فعل الفضيل بن عياض الذي كان يدعو لولده كثيراً

ويقول:اللهمّ إنك تعلم أني اجتهدت في تأديب ولدي فلم استطع ،اللهم فأدّبه لي،

وهو مع هذا لم يتوانَ عن تعهد ولده بالإصلاح والرعاية وحسن الأدب،

لكنه يعلم بأن الأمر كله بيد الله، فأخذ يدعوه ويتضرع إليه في صلاح ولده بعد أن أجهده إصلاحه،

فاستجاب الله له دعاءه وأصلح له ولده حتى صار ولده علي، في منزلة كان بعض العلماء يفضلونه على أبيه الفضيل بن عياض.

4⃣- تحطيم شخصية الابن ،وتشويه نفسيته،وإضعاف معنوياته*

، فالعنف الذي يمارسه الأبوان بالدعاء على الأولاد قد يجعل الولد ضعيف الشخصية،محطم المعنويات،ينتابه الخوف من المجتمع،

فلا قدرة له على مواجهة المجتمع، وقد يصبح انعزالياً لا يستطيع القيام بما تقتضيه الحياة من همة وجلد ودأب ونشاط

.فهل تحبّ أن يكون ولدك فاشلاً ضعيف الشخصية يهرب من الناس ؟


أم تريده رجلاً مقداماً عظيماً يكون على يديه الخير لبلده وأمته ؟؟


?وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول، وهو على المنبر،عن الحسن بن علي رضي الله عنهما :

إن ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين،

لقد بث النبي في قلبه العزة والسيادة من نعومة أظفاره،

وقد حصل ما اخبر به النبي صلى الله عليه وسلم، وأصلح الله على يديه بين فئتين عظيمتين من المسلمين.

?الخلاصة:


أنّ الواجب علينا نحن الآباء وكذا الأمهات،مهما غضبنا ومهما انفعلنا أن نمسك ألسنتنا عن الدعاء على أولادنا ،

ونتذكّر عند الغضب قول نبينا صلى الله عليه وسلم:لا تدعوا على أولادكم

لا توافقوا من الله ساعة يُسأل فيها عطاءً فيستجيب لكم.

يجب أن نلهج بالدعاء لأولادنا بالصلاح والخير والتوفيق والهداية والحفظ والصيانة والسلامة من كل شر،

و كما كان يدعو سيدنا إبراهيم عليه السلام ،
? ولنردد قوله تعالى:
*رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا*

 يمكنكم متابعة برامج قناة الانسان و الموقع نور الاسلام