25 أبريل 2024

أوصاف المتقين

أوصاف المتقين


قال تعالى : {ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3) 

وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4) 

أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } [البقرة: 2 – 5].

افتتحت سورة البقرة ، بمجموعة من الآيات الكريمة ، يدور موضوع الحديث فيها ، حول نماذج ثلاثة من الناس ، أمام دعوة الحق ، ورسالة السماء الى الأرض .

وهذه النماذج البشرية هي :

المؤمنون ، الكافرون ، المنافقون .

وعندما نلتفت الى أن سورة البقرة كلها مدنية ، إلا آية واحدة منها – على ما قيل- نزلت في حجة الوداع ،

وهي قوله تعالى : {وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ } [البقرة: 281] (1) .

عندما نلتفت الى ذلك ، ندرك السر في هذا الافتتاح .

فقد عايش الاسلام في فترة المدنية ، هذه الأصناف الثلاثة من الناس .

كان هنالك المؤمنون بقيادة رسول الله (صلى الله عليه واله) ، يشكلون نواة المجتمع الوليد بعد الهجرة ،

وهنالك الكافرون من أهل الكتاب ، والمشركون .

وكانت هنالك الفئة الثالثة ، التي ابتلي بها الاسلام والمسلمون في المدينة ، ولم يكن لها وجود في مكة ، وهم المنافقون

وهذا أمر طبيعي ، فلم تكن للإسلام في مكة ، قوة ولا دولة ، ولا جماعة يخشى جانبها ، حتى تستدعي منافقة أهل مكة

أما هنا في المدينة ، حيث صار للإسلام دولة وكيان ، وقاعدة بشرية هي عبارة عن مجموعة الأنصار والمهاجرين ، وقوة مادية ومعنوية ،

يحسب لها ألف حساب ، وخاصة بعد النصر الإلهي الحاسم في بدر ، اضطر معها أعداء الدعوة المباركة ،

الى اللجوء لاستعمال أساليب النفاق ، والمراوغة . حتى تكونت فئة من الناس صار النفاق سمة تتسم بها ، ووصمة عار تلاحقها باستمرار .

المؤمنون

والآيات الأربع ، التي افتتحنا بها حديثنا هذا ، ابتدأت بالنموذج الأول من النماذج الثلاثة ، من الناس اتجاه دعوة الحق ، المتقين .

الذين لا ريب عندهم ولا شك ، في كتاب الله ، الذي هو القرآن ، إن من حيث مصدره ، أو من حيث مخبره .

كما لا ريب ولا شك واقعاً ، بما استبطنه من عظات وعبر ، وأمثال وقصص ، وأخلاق ،

وسياسات وأحكام ، وعبادات ومعاملات ، وأوامر ونواهي ، في كونه دليلاً دقيقاً المتقين ، وصدق الله :

{ إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا } [الإسراء: 9].

والتقوى والاتقاء في الأصل ، الحجز بين شيئين ، يقال : اتقاه بالترس ، إذ جعله حاجزا بينه وبينه .

وحيث كانت التقوى صفة ملازمة للإيمان ، فهم أن المراد بالمتقين هنا ، المؤمنون . لذا ،

بعد أن ذكر سبحانه ، أن القرآن الذي لا ريب فيه ، هو هدى للمتقين ، فسر المراد بالمتقين فقال عز من قائل : {الذين يؤمنون}.

ثم شرع ببيان متعلق إيمان هذا الصنف من الناس أمام دعوة الحق . فذكر عدة أمور جعلها أوصافاً معرفةً لأفراده . وهذه الأمور هي :

الإيمان بالغيب .

إقامة الصلاة ، الإنفاق ، الإيمان بما أنزله الله على أنبيائه ورسله . الاعتقاد الجازم باليوم الآخر . . .

والغيب يقابل عالم الشهادة ، ويشمل وجود الله ، ووحدانيته وصفاته . والآخرة ،

وكل ما يتعلق بها من حشر ونشر وحساب وميزان وصراط وجنة ونار . إضافة الى عالم الجن وعالم الملائكة .

وذكر الإيمان بالغيب في طليعة صفات المؤمنين المتقين ، فيه اشارة الى أن الله تعالى ،

يريد من هذا الانسان أن لا يحصر مصدر المعرفة لديه بالحس فقط ، وإنما ينبغي أن يعطي العقل دوره الكبير ،

للتوصل من خلاله الى معارف لا يمكن للحس أن يحكم فيها ، باعتبارها أموراً لا تقع ضمن دائرة إمكاناته ،

إذ ليست هي من سنخ المادة في شيء .

وإذا التفتنا ، الى أن متعلق هذا الغيب الذي آمن به هؤلاء المتقون ، جلّه إن لم نقل الكل ، هو من شؤون العقيدة وما يعود اليها ،

ولو اطلعنا على موقف الاسلام ، من ضرورة استناد الاعتقاد بها الى حكم العقل فقط ،

لا الشك ولا الوهم ولا الظن ولا التقليد ، لأدركنا حقيقة ، أن هذا الإيمان بالغيب ،

ليس – كما يحلو للبعض أن يصوره من أنه قفزة في المجهول – وعيش في عالم طوباوي وهمي ،

فمع أحكام العقل الخالي عن شوائب الأوهام ، لا وجود لغير الحقائق المجردة ، والحجج المنطقية السليمة .

فإذا تحقق هذا التحرر ، فإن الانسان سوف ينطلق في عوالم رحبة ، يشعر معها بامتداده الكوني ، وعمقه الحضاري ، وقيمته الإنسانية الحقة . . .

والإيمان ،

هو عبارة عن استقرار الاعتقاد في القلب ، مشتق من الأمن . والوجه فيه ،

أن المؤمن يحصل له بإيمانه الأمن من أي شك أو تردد في متعلق إيمانه ، وبذلك يتخلص من آفة الحيرة والتأرجح في كل عصر .

ويدل على أن موطن الإيمان هو القلب قوله تعالى :

إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ } [النحل: 106] .

{وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ } [التغابن: 11] .

{وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ } [الحجرات: 7] .

إقامة الصلاة

الصلاة لغة : هي الدعاء .

وشرعاً : هي عبارة عن أفعال مخصوصة وأدعية وقراءة وأوراد يأتي بها الإنسان في أوقات محددة متقرباً بذلك الى الله تعالى .

والصلاة ، هي إحدى أهم العبادات الاسلامية ، ولذا ورد عن النبي (صلى الله عليه واله) قوله :

(الصلاة عمود الدين إن قبلت قبل ما سواها وإن ردت رد ما سواها . . . ) .

واللافت للنظر ، أنه ما من مورد ذٌكرت الصلاة فيه في كتاب الله ، إلا وكانت مقرونة بمادة (ق . و . م) .

بصيغ مختلفة ، تناهز الخمسين . نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر :

{ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا} [البقرة: 177] .

{وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ} [النساء: 102] .

{قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ} [إبراهيم: 31] .

{وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ } [هود: 114] .

فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ} [آل عمران: 39] .

ومن المعلوم ، أن مفهوم الإقامة والقيام مأخوذ فيه معنى النهوض والاعتدال والكمال بمعانيها المادية والمعنوية .

وهذا الأمر ، واضح كل الوضوح ، في الصلاة الاسلامية ، بل في جميع عبادات الاسلام ، وغيرها .

فالإسلام – كما يفهم في كثير من نصوصه – لا يرضى بالشكليات المجردة عن المحتوى والمضمون ،

بأي حال من الأحوال ، سواء على صعيد السلوك العملي للإنسان ، أو على صعيد العبادة .

والصلاة ، في حد ذاتها ، كحركات ، وآيات ، وأدعية وأوراد ، مجردة عن المحتوى والمضمون ، لا قيمة لها في نظر الاسلام .

وإنما القيمة كل القيمة ، بمقدار ما يستفيده عقل الانسان من المفاهيم ، والأفكار ،

والقيم التي تحكيها تلك الآيات ، وهذه الأدعية والأوراد ، وما ترمز اليه الحركات الصلاتية المخصوصة .

فليس المراد من إقامة الصلاة ، أداءها كيفما اتفق . بل لابد من أدائها متوفرة على الخشوع والخضوع كما أمر بها الاسلام .

والخضوع ،

نما يكون في الشكل والصورة ، ويتحقق بالإتيان بأجزائها ، من قيام ، وتكبير ، وقراءة ، وركوع ، وسجود ، وتشهد ، وتسليم ، بمنتهى الوقار والهدوء .

ومن هنا ، نجد الفقهاء – تبعا للنصوص – قد اشترطوا الطمأنينة في كل فعل من أفعال الصلاة ، لا أن يؤتى بها نقراً كنقر الغراب .

والخشوع ،

إنما يكون في المضمون والمحتوى . وذلك بأن يتفكر المصلي في المعاني التي تمر عليه ،

أثناء القراءة الواجبة فيها ، أو الأذكار كذلك ، لا أن يدرج القراءة والأذكار ،

بنحو لا تعدو كونها مجرد لقلقة لسان ، لا يستفيد منها عقله ، ولا تنتعش بها روحه .

ومن هنا ، وردت بعض الروايات القائلة ، بأن ليس للإنسان من صلاته ، إلا بمقدار ما أقبل على ربه منها (2) .

ولعله ، لذلك نظر قول النبي (صلى الله عليه واله) : (لا صلة لمحتقن) . والمحتقن ، هو الذي يدافع البول أثناء صلاته

وما ورد عنه (صلى الله عليه واله) ، من كراهة الصلاة لمن يدافع الأخبثين ، وهما الغائط والريح ، أو الغائط والبول .

فما نفي الكمال عن صلاة المحتقن ، وكراهة صلاة من يدافع الأخبثين ، إلا بلحاظ ما يستتبعه هذا أو ذاك ، من توتر وقلق وصراع جسدي للإنسان .

ومن الواضح ، أن هذا لا يمكن أن يجتمع مع توجه الانسان بكليته الى ربه ، واستشعاره عظمته ، وهو واقف بين يديه سبحانه .

وعندئذ ، يمكن أن تكون صلاة المؤمن معراجاً له بكل معنى ، كما يمكن أن تكون ناهية عن الفحشاء والمنكر كما ذكر سبحانه في كتابه العزيز .

الإنفاق

والإنفاق هنا ، عام ، يشمل الواجب كالزكاة والخمس وغيرهما من العبادات المالية ، والمندوب ، كالصدقة .

والإنفاق ، يحقق في الواقع ، هدفين ساميين :

أحدهما :

فردي ، يرجع الى شخص المنفق ، وهو تخليص نفسه من الشح والبخل ، اللذين يعتبران آفتين من الآفات ،

التي ابتلي بها الانسان ، نغصت عليه حياته ، واهدرت كرامته ، وجعلته هدفاً لاستهزاء الناس وسخريتهم .

وثانيهما :

اجتماعي ، وهو مؤاساة الفقراء ، وسد خلة المحتاجين . والعمل بهذا الانفاق على رفع شقائهم وتعاستهم ،

والتخفيف من ضغط الحياة بثقلها عليهم ، فيأمن المجتمع الانساني من التمزق ، والتناحر الطبقي ،

الذي يكون عادة ، وليد تكدس الثروات في أيدي فئة قليلة منه ، مع ارتكاس الفئة الأخرى ،

التي تمثل غالبيته ، في بؤرة الحرمان .

وعندئذ ، يوجد المتجمع الصالح ، المتماسك ، الذي تربط بين أفراده وشائج الإيثار ، والتعاطف ، والحب .

والتعبير بـ(مما) في الآية الكريمة ، يشعر بأن هؤلاء المؤمنين المتقين ،

إنما ينفقون بعض ما عندهم ، ويحتفظون بالبعض الآخر ، لينفقوه على شؤونهم واحتياجاتهم .

ونحن لسنا مقيدين بحصر متعلق الانفاق بالمال ، بل يمكن تعميمه ليشمل كل ما يعود على الأمة أو الفرد ، بالخير العميم كالعلم وغيره .

تساؤل وجواب

ولكن ، ما هو السر يا ترى ، الذي كان وراء اتباع الايمان بالغيب ، كصفة من صفات المتقين ،

بهاتين الخصلتين اللتين تحدثنا عنهما بإيجاز ، وهما : إقامة الصلاة ، والانفاق مما رزق الله .

ان في ذلك اشارة – والله العالم – الى ان الايمان بالغيب ، ليس مجرد قفزة في فراغ ،

أو أنه نوع من الطوباوية والخيال ، وإنما هو محور متحرك باستمرار ، ومحرك باستمرار في واقع حياة الانسان ،

ومفجر لطاقات هذا المخلوق المذخورة فيه ، لتكون فاعلة في المجالات الخيرة ،

والنافعة له ولبني جلدته ، سواء كانوا أفراداً أو مجتمعات . وإن كل تصرف في اتجاه العدل والإحسان وسعادة الانسان

يقوم به المؤمن ، إنما تحثه عليه تلك القوة الأعظم ، وراء هذا الكون المادي المحسوس ،

والتي تمثل الغيب الذي يؤمن به ، ويؤمن به ربه ومالكه ، ومالك هذا الكون بمن فيه وما فيه .

فالصلاة ،

تجسيد عملي لذلك الإيمان في دائرة الانسان الفرد ، مع ما يستلزمه ذلك من انتهاء عن كل منكر أو فحشاء ،

وعروج نحو عالم القيم العليا ، وتقرب من منبع الخير والحق .

كما أن الإنفاق مما رزق الله ، على اختلاف أشكاله المادية والمعنوية ، وتجسيد عملي لذلك الإيمان في دائرة أوسع .

هي دائرة الأسرة ، أو العائلة الصغيرة ، أو الكبيرة ، التي يشكلها المجتمع الانساني ككل .

مع ما يستلزمه ذلك ، من مشاركة فعلية في صنع ذلك المجتمع وضمان ديمومته ، واستقراره ،

ونشر التعاطف والتآلف والتماسك بين لبناته الانسانية .

أصالة واستمرارية وثبات بعد ذلك ، بعد خصال الايمان بالغيب ، واقامة الصلاة ، والانفاق مما رزق الله سبحانه ،

تأتي الخصلة الرابعة من خصال المؤمنين المتقين ، لتلقي ظلالاً حية وإيجابية ، على جانب آخر من جوانب شخصية الانسان المرتبط بالله تعالى :

{وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ } [البقرة: 4] .

والمقصود بما أنزل اليه (صلى الله عليه واله) ، القرآن العظيم ، وكل نظام الاسلام ، من عبادات ومعاملات ،

وسياسات ، وأحكام ، مما ارتضاه سبحانه للإنسانية ديناً قيماً ، وبلغه خاتم النبيين (صلى الله عليه واله) الى البشرية

منذ بعث بشيراً ونذيراً ، والى أن تتبدل الأرض غير الأرض والسموات .

والملفت للنظر حقاً ، هو اقتران ايمان المؤمنين بما أنزل اليه (صلى الله عليه واله) ، بإيمانهم بما أنزل من قبله .

{مَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ}

 والمقصود بما أنزل من قبله ، ما بعث به سبحانه رسله منذ أول نبي ورسول ، الى آخر رسول ونبي ، قبل بعثة النبي الخاتم محمد (صلى الله عليه واله) .

واللافت للنظر في ذلك ، هو إن الإيمان برسول الله (صلى الله عليه واله) وبما جاء به من عند ربه ،

يستبطن الايمان بكل حلقات رسل الله وأنبيائه ، وبما جاؤوا به من عند الله .

فما هي الحكمة من هذا الاقتران ، وما هو الهدف ؟!

إن ذلك في اعتقادي – والله العالم – يستهدف الإيحاء أولاً : بتلك الخيوط التي تؤلف السدى واللحمة ،

والتي تربط بين كل رسل الله ورسالاته ، وأن مصدرها واحد ، وفي ذلك ما فيه ،

من تواصل حضاري متسق الأدوار متكامل الجوانب ، مترابط الحلقات ، ليس فيه خلل ، ولا تناقض ، ولا صراع :

{شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ } [الشورى: 13] .

{كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } [الشورى: 3] .

فدين الله في الآخرين – إذن – هو دين الله في الأولين .

وهو يستهدف الإيحاء – ثانيا : بأن العقيدة ، من خلال بند النبوة فيها ، تنتقل بالإنسان المؤمن ،

عما هو عليه شخصا في القاعدة ، لتربطه بالقمة ، بمحمد بن عبد الله (صلى الله عليه واله) ،

ومن ثم بالقمم الشامخة المتمثلة بالنبوات السابقة على نبوته ، حيث يطل من أعالي تلك القمم ، على تلك الأمم الكثيرة ،

على امتداد التاريخ البشري ، ليكون شهيداً على مسيرتها الطويلة ، في ظل رسالات السماء ، مستهدية بنور كلمات الله الى هذا الانسان ،

او مستخذية لغرائزها وأهوائها ، مرتكسة في ظلمات جهلها وفجاجتها بعيداً عن ذلك النور .

وبهذا ، يشعر بقيمته الانسانية ، وبدوره الخطير والعظيم في هذه الحياة :

الخطير والعظيم ، لكونه شهادة تستتبع حكماً لا على شخص أو فئة ، وإنما على بشرية سابقة على وجوده ، من شعوب وأمم .

ومن بعد ، مطالبته باختيار طريقه ، من بين عدة طرق ، ومن خلال حكمه على تشعب مسيرة تلك البشرية في هذه الحياة .

وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ } [البقرة: 143] .

إضافة الى ما يستتبعه هذا الايمان ، من اطلاع على عظمة تلك النبوات جميعاً ، من خلال صفائها ونقائها ، إخلاصها وإصرارها على مواصلة حمل المشعل الإلهي ،

رغم العقبات التي اعترضتها ، والآلام التي عانت منها ، مما سوف يكون لهذا المؤمن فيه من دروس وعظات تجدد عزمه باستمرار ،

وتشد من أزره في مسيرته ، وتقوي من إرادته ، ليكون عنصراً مرناً ، قادراً على تحمل مسؤوليات الأمانة التي يحمل ، والتغلب على عقبات الحياة الصعبة والقاسية التي يواجه .

وهو يستهدف الإيحاء ،

ثالثا :

بارتباط الانسان المؤمن بالماضي من خلال الحاضر ، وتطلع الى المستقبل عبر عالم الغيب الذي تقدم الحديث عنه ،

وبهذا يفترق المؤمن عن صنفين من أصناف البشرية أمام دعوة الحق .

عن الكافر ، الذي يعيش باستمرار في الماضي ، ويسجن نفسه دائماً خلف قضبانه ، من دون حاضرو لا مستقبل .

والمنافق ، الذي يعيش دائماً حالة التمزق والضياع بين ماض قائم ، ومستقبل غائم :

{فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ } [الأعراف: 176] .

ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ } [البقرة: 17] .

فالمؤمن ، يعيش الأزمنة الثلاثة ، ماضياً وحاضراً ومستقبلاً .

والكافر ، يعيش زماناً واحداً هو الماضي .

والمنافق ، يعيش قلقاً متأرجحاً ، بلا ماض ، ولا حاضر ، ولا مستقبل .

قال تعالى : {مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا} [النساء: 143] .

اليقين بالآخرة

ثم تجيء الخصلة الأخيرة في هذا السياق ، من خصال المؤمنين :  {وبالآخرة هم يوقنون}

والآخرة ، هي يوع الرجوع الى الله ، يوم يحشر فيه الناس بين يديه سبحانه ، ليحاسبهم على ما عملوا في دنياهم من خير أو شر .

{يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ } [إبراهيم: 48] .

ولا إشكال ، في أن الآخرة ، بهذا المعنى ، من الغيب ، فالإيمان بها ، من سنخ الإيمان به .

وكذلك ترى ، بأن خصال المؤمنين ، افتتحت بإيمانهم بالغيب ، وختمت به .

ولكن التعبير القرآني هنا ، لم يأت بلفظ (يؤمنون) ، كما ورد هناك ، وإنما ورد بلفظ (يوقنون) ! ؟ .

فما هي الحكمة في ذلك ؟!

إن عندنا فيما يتعلق باليقين ثلاث مراحل :

علم اليقين ، وهو تلك الصورة التي ترتسم في ذهنك ، عندما يخبرك شخص تثق به بخبر ما .

فهذه الصورة ، هي صورة نظرية عن المخبر به .

فإذا جاءك المخبر بنفس ما أخبرك به أولاً ، بحيث جعلك تراه وتحس به ، فقد انتقلت من مرحلة علم اليقين ، الى مرحلة عين اليقين .

فإذا جعلك تتفاعل معه بالدخول فيه أو التناول منه ، فإنك سوف تنتقل من مرحلة عين اليقين ، الى مرحلة حقيقة اليقين .

وكأن الله سبحانه – وهو أعلم – أراد أن ينتبه الى أن صنف الناس هذا من المؤمنين ، قد علموا بالآخرة بكل لوازمها وشؤونها ،

كما أخبر تعالى ، وتيقنوا منها ، بحيث تجاوزوا بإيمانهم ذاك ، من مرحلة علم اليقين ، الى عين اليقين ، الى حقيقة اليقين .

وعلى هذا ، يحمل قول حارثة ، لما سأله رسول الله (صلى الله عليه واله) : كيف أصبحت ؟

قال : أصبحت مؤمناً بالله حقاً .

قال له (صلى الله عليه واله) : لكل حق حقيقة ، فما حقيقة إيمانك ؟

قال : عزفت نفسي عن الدنيا ، فاستوى عندي ذهبا ومدرها . وكأني أنظر الى أهل الجنة في الجنة ينعمون ، والى أهل النار في النار يعذبون .

أي ، بلغ به الإيمان درجة ، أصبح المخبر به كأنه محسوس أمامه ، أمراً تصديقياً جازماً ، ولم يعد أمراً نظرياً علمياً .

وهنا نسأل : هل يعقل في هكذا انسان ، بلغ إيمانه حقيقة اليقين أن يغفل لحظة عن منهج الله ، وصراطه ؟

كلا بالطبع .

وإنما سوف يصبح السير وفق منهج الله عنده ملكة ملازمة له ، لأنه عندئذ ، يعيش حقيقة حلاوة الجزاء على حدبه عليه وعمله بمقتضاه ،

كما يعيش حقيقة هول العقاب على تفريطه به وتركه العمل بمقتضاه ، وبذلك يكون فعلا قد اهتدى بهدى الله ، وحاز مرتبة النجاح والفلاح .

ومن هنا جاءت تتمة الآيات الكريمة ، لتتوج هذه المسيرة المباركة لهذا المخلوق المبارك على ضوء كلمة الله .

{أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ }  .

نعم ، إن اليقين بالآخرة ، ينقل الانسان من دائرة الكائن المحصور التفكير والرؤية في الارض ، وما على الأرض ،

المقيد بالجسد وضرورات الجسد ، المندفع بغرائزيته وشهوانيته ليعتدي وينتهز ، ولا يقيم وزناً لأية حرمة أو قيمة من القيم .

الى دائرة أرحب وأسمى ، دائرة الانسانية المتكاملة ، البعيدة الرؤية الى ما يشمل العالم الآخر ،

الذي هو عالم الشفافية ، والصفاء ، والنقاء .

العالم ، الذي يجد فيه الانسان جزاء استقامته في الدنيا على المنهج الرباني ،

وتقيده بأوامر الله ونواهيه ، وقيامه بأمانته سبحانه ،

التي وضعها بين يديه ، حين جعله خليفة له على الأرض ، هذه الأمانة ، التي تشمل في معناها الواسع ، الكون بكل أبعاده ، بما فيه الانسان .

كما يجد الانسان في ذلك العالم ، جزاء انحرافه في الدنيا عن صراط الله ،

وتمرده على أحكام دينه الذي ارتضاه له بعد إكماله ، حيث يكون خائناً للأمانة مفرطاً في حفظها .

وعندما يتصور الانسان ثواب الله وعقابه في ذلك العالم ، على ما قدمت يداه في هذا العالم ، التزاماً أو انحرافاً ،

ويتيقن بهما حقيقة اليقين ، فسوف يكون ذلك ضوءاً أحمر ، يحذره باستمرار ، من أن يعتدي أو يستغل .

وعندئذ يعرف حدوده التي لا يجوز له ان يتعداها ، فيحترم حدود الآخرين ، ويعيش بنو الانسان على هذه الأرض ،

ورشة عمل واحدة ، متآلفة متحابة ، ترفرف عليها راية السعادة والسلام ، فيعمر الكون ،

وتثرى الحضارة البشرية وتغنى ، من جراء صب كل الاهتمامات والجهود ، في استخراج كنوز الأرض ،

واستكشاف أسرار الكون ، وتسخير خيراته في خدمة بني الانسان ، في ظل رسالة الله ومنهجه ، ورحاب كلماته وتوجيهاته .

وهل بعد هذا ، من هدى أعظم ، وفلاح أكبر ؟!

وصدق الله إذ قال :

آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} [البقرة: 285].

يمكنكم متابعة برامج قناة الانسان و الموقع نور الاسلام