23 يوليو 2024

من مظاهر الاحتفال بالمولد النبوي الإكثار من الصلاة على النبيﷺ

من مظاهر الاحتفال بالمولد النبوي الإكثار من الصلاة على النبيﷺ

خطبة بعنوان: قصة حديث «كم أجعل لك من صلاتي؟»

الحمد لله الذي جعل الصلاة على المصطفىﷺ إلى رضوانه سبيلا،

وجعل طاعته على صدق محبته دليلا، وجعل الاقتداء به شرطا حتى يكون عمل المسلم مقبولا،

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له صفة وأفعالا، سبحانه وتعالى لا نتخذ من دونه وليا ولا وكيلا،

وأشهد أن سيدنا محمدا أرسله الله وأنزل عليه القرءان تنزيلا، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى أن يلقى الإنسان يوما ثقيلا…

الخطبة الاولى :

أما بعد فيا أيها الإخوة المؤمنون؛ أوصيكم ونفسي أولا بتقوى الله وطاعته.



تعالوا بنا اليوم نكشف الستار عن قصة نستكشف بها فضل الصلاة على الحبيب المصطفىﷺ

ونحن في شهر ربيع الأول، شهر ولادتهﷺ ومن مظاهر الاحتفال بالمولد النبوي الإكثار من الصلاة على النبيﷺ؛

مضمون هذه القصة:


روى الترمذي بإسناد صحيح عن أُبيِّ بن كعب قال: «قلت: يا رسول الله؛ إني أُكِثرُ الصلاة عليكَ، فكم أجعلُ لكَ من صلاتي؟ (أي في الوقت الذي أدعو فيه لنفسي)

قال: ما شئتَ. قلتُ: الرُّبُع؟ قال: ما شئتَ، فإن زدتَ فهو خيرٌ لكَ.
قلتُ: النِّصفُ؟ قال: ما شئتَ، فإن زدتَ فهو خيرٌ لكَ. قال: قلتُ: فالثُلُثَيْن؟ قال: ما شئتَ، فإن زدتَ فهو خيرٌ لكَ.
قال: قلتُ: أجعل لك صلاتي كلَّها؛ قال: إذًا تُكفى هَمَّك، ويُغفر لك ذنبُكَ»


وسنعالج هذه القصة من خلال الأمور التالية:

أولا: نحن في شهر ربيع الأول،

وهو شهر يذكرنا بالحبيب المصطفىﷺ؛ لأنه يحمل في طياته أحداثا كبرى من السيرة العطرة؛

ففيه ولد الرسولﷺ، وفيه بدأ الوحي بالرؤيا المنامية، وفيه هاجرﷺ من مكة إلى المدينة،

وفيه توفيﷺ فالتحق بالرفيق الأعلى؛ هذه منعطفات كبرى في حياتهﷺ: الولادة، والبعثة، والهجرة، والوفاة؛

فكان حقا على كل مسلم أن نحتفل في هذا الشهر بسيرة المصطفىﷺ؛ والاحتفال مبني على ثلاثة أركان:


1) تذكر الشيء في الذهن لمناسبة واردة ملائمة.


2) ذكره باللسان والإشادة به ودعوة الناس للاستفادة منه.


3) الاقتداء به وتتبع خطاه والسير على منواله ودربه.


فمن زاد على هذا فقد ابتدع، ومن أنكر هذا فقد تنطع؛ وقد ضل المبتدعون وهلك المتنطعون كما قال رسول اللهﷺ.


ومن أبرز مظاهر الاحتفال بهﷺ الإكثار من الصلاة عليهﷺ

ثانيا:

إن الصلاة على النبيﷺ لا تكون نافعة إلا ذا كانت نابعة من القلوب، وسابغة للأعمال،

لا بد أن نصلي عليهﷺ وقلوبنا مليئة بحبه، ذلك الحب الذي يعني الاقتداء به، وترسم خطاه، وتطبيق شريعته،

وتحكيم سنته، فإنك حين تصلي على النبيﷺ الصلاة الصادقة دل ذلك على أنك تحبه،

وحين تحبه المحبة الصادقة تعمل بشريعته، وحين تكون صادقا في العمل بشريعته تحمي نفسك من ظلمات المحرمات،

ومن أدران الذنوب والسيئات؛ فللصلاة عليهﷺ فوائد جمة، تنفع المؤمن في دينه ودنياه؛

إذ هي علامة على محبتهﷺ، ودليل ملموس على اتباع شريعتهﷺ.

ثالثا:

إن الإكثار من الصلاة على النبيِّﷺ يمنع الله تعالى بها هجوم الهموم، ويزيل بها غيوم الغموم،

فتنشرح بها الصدور، وتنتشر بها السرور، وإذ كان المسلم يكثر في كل وقت منها بالشكل المطلوب،

يعطه الله تعالى أمرين مهمين كما قالﷺ: «إذًا تُكفى هَمَّك، ويُغفر لك ذنبُكَ»؛

ففي الدنيا يكفيه مما يهمه ويشغل باله فيستر عيوبه، وفي الآخرة يعفو عنه فيغفر ذنوبه.


فإذا كفى الله المسلم همَّه سَلِمَ من مِحَن الدُّنيا وعوارضها؛ لأن كلَّ محنةٍ لابدَّ لها من تأثير الهمِّ والحزن والغم والكآبة والألم،

ومَنْ غفر الله ذنبه سَلِمَ من مِحَن الآخرة؛ لأنه لا يعاني فيها العبد إلا من ذنوبه،

فيكون أهلا للتقرب من مقام النبيﷺ، قال الرسولﷺ: «إنَّ أولى الناس بي يوم القيامة: أكثرُهم عليَّ صلاةً»،

وقال الصحابي الجليل أبو طلحة الأنصاري رضي الله عنه قال: «أصبح رسول اللهﷺ يومًا طيِّب النَّفْس، يُرى في وجهه البِشْر!

قالوا: يا رسول الله، أصبحتَ اليوم طيِّب النَّفْس، يُرى في وجهك البِشْر! قال: أجل؛ أتاني آتٍ من ربِّي عزَّ وجلَّ فقال: مَنْ صلَّى عليكَ من أمَّتك صلاةً؛ كتب الله له بها عشر حسنات،

ومحا عنه عشر سيِّئات، ورفع له عشر درجات، وردَّ عليه مثلها».

رابعا:

إن الإكثار من الصلاة على النبيِّﷺ سبب لإجابة الدَّعوات، وقضاء الحاجات، قال رسول اللهﷺ:

«كلُّ دعاءٍ محجوبٍ حتى يُصلَّى على محمدٍﷺ»،

وقال الصحابي الجليل فَضالة بن عُبيدٍ رضي الله عنه:

«بينما رسول اللهﷺ قاعد إذ دخل رجلٌ فصلى فقال: اللهم اغفر لي وارحمني؛

فقال رسول اللهﷺ: عَجِلْتَ أيُّها المصلِّي! إذا صلَّيْتَ فقعدتَ، فاحمد الله بما هو أَهْلُه، وصلِّ عليَّ، ثم ادعُه.

ثم صلَّى رجلٌ آخر بعد ذلك، فحمد الله وصلَّى على النبيِّﷺ، فقال له النبيُّﷺ: أيُّها المصلِّي، ادعُ تُجَبْ».

وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «الدعاء موقوف بين السماء والأرض، لا يصعد منه شيء حتى تصلي على نبيكﷺ».

خامسا:

ما أحوج الأمة المسلمة اليوم إلى النور وهي تتخبط في ظلمات بعضها فوق بعض؛ ظلمات الخلافات والنزاعات،

ظلمات الربويات والمسكرات والمخدرات، ظلمات من الحروب شردت الملايين؛ فأعداء الإسلام على مدار الساعة يتربصون،

ينتظرون الفرصة للانقضاض على الإسلام دينا وفكرا، وعلى المسلمين إيمانا وأمنا، وتكفى شرارة واحدة في أي بلد مسلم ليتحركوا،

فحين تشتعل سرعان ما تشتغل الأعداء لصب البنزين على نارها؛ أتدرون ما الذي يساعدنا في إزالة هذه الظلمات المتراكمة، ويمنحنا هذا النور العظيم؟

إنه الإكثار من الصلاة والسلام على الحبيب المصطفىﷺ.


ولعلك أخي المسلم تسأل:

كيف تخرجنا الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم من الظلمات إلى النور؟


الجواب:

قال الرسولﷺ: «مَنْ صلى علىَّ صلاةً صلى اللهُ عليه بها عشرًا»؟

وفي رواية: «إن لله تبارك وتعالى مَلَكًا أعطاه أسماء الخلائق؛ فهو قائمٌ على قبري إذا متُّ،

فليس أحدٌ يصلِّي عليَّ صلاةً إلا قال: يا محمد، صلَّى عليك فلان بن فلان، فيصلِّي الربُّ تبارك وتعالى على ذلك الرجل بكل واحدةٍ عشرًا».

وصلاة الله عز وجل على المسلم بها يخرجه من الظلمات إلى النور، قال الله تعالى في كتابه الكريم:

{هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا}.

سادسا:

لا تُشترط للصلاة على النبيﷺ ليلةٌ معينة، أو ساعاتٌ محدودة، وإنما المعول عليه هو: صدق الالتجاء إلى الله، وحسن الظَّنِّ بالله،

والثِّقة التَّامة في قول الله تعالى: {هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} وفي قولهﷺ: «إذًا تُكفى همَّك، ويُغفَر لكَ ذنبُكَ».


وإذ كانت الصلاة على النبيِّﷺ مطلوبة في كل حالٍ، فإنها تتأكَّد يوم الجمعة، فللصلاة عليه يوم الجمعة فائدة خاصة؛

قال رسول اللهﷺ: «إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة؛ فيه خُلِقَ آدم، وفيه قُبِضَ، وفيه النَّفْخَة، وفيه الصَّعْقَة؛ فأكثِروا عليَّ من الصلاة فيه؛ فإن صلاتكم معروضةٌ عليَّ».


ألا فصلوا على نبيكمﷺ أينما كنتم فإن صلاتكم تصل إليه منكم فقد قالﷺَ: «إِنَّ لِلَّهِ مَلائِكَةً سَيَّاحِينَ فِي الأَرْضِ، يُبَلِّغُونِي مِنْ أُمَّتِي السَّلَامَ»…


أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين والحمد لله رب العالمين…

الخطبة الثانية :

الحمد لله رب العالمين…


أما بعد فيا أيها الاخوة المؤمنون؛ أما المعرض عن الصلاة على النبيﷺ فأعراضه فاضحة، وخسارته فادحة،

قال رسول اللهﷺ: «رَغِمَ أنفُ رجلٍ ذُكِرْتُ عنده فلم يصلّ عليَّ».

ويكفيه شرا أن قائد الملائكة جبريل قد دعا عليه بالطرد والإبعاد، وأمَّن على دعائه المصطفىﷺ

ففي الحديث الصحيح «أن النبيﷺ ارتقى ذات يوم الدرجة الأولى من المنبر فقال: آمين،

ثم ارتقى الدرجة الثانية فقال: آمين، ثم ارتقى الدرجة الثالثة فقال: آمين، فقال الصحابة: يا رسول الله سمعنا منك اليوم شيئاً ما كنا نسمعه فقالﷺ:

«ففي الأولى عرض لي جبريل فقال: بَعُدَ من أدرك رمضان فلم يُغفر له، فقال: آمين، فقلت: آمين،

وفي الثانية قال: بَعُدَ من ذُكرت عنده فلم يصل عليك، فقال: آمين، فقلت: آمين،

وفي الثالثة قال: بَعُد من أدرك أبويه الكِبَرُ أو أحدُهما فلم يدخل الجنة، فقال: آمين، فقلت: آمين».


ولذلك كان من ذُكر عنده النبيُّﷺ ثم لم يصلِّ عليه من أقبح البخلاء؛

فإذا كان البخل أقبحَ ما يوصف به الإنسان، فإن الذي يُعرض عن الصلاة على النبيﷺ هو الذي ضرب الأرقام القياسية في البخل؛

لأنه بخل بما لا نقص عليه فيه، ولا يكلفه دفعا من جيبه، ولا حركة من جسده؛ إلا حركة بسيطة بلسانه، بخيل حتى عن ترديد جملة “صلى الله عليه وسلم” حينما يسمعه؛

ففي الحديث: «البخيل مَنْ ذُكِرْتُ عنده ثمَّ لم يصلِّ عليَّ».


وكم من كتب اليوم مليئة بهذا النوع من البخل؛ فمنها من بخل فاستبدل جملة “صلى الله عليه وسلم” بحرف الصاد (ص) فإن زاد كتب (صلعم)،

وكأن القلم الذي كتب ذلك الكتاب، أو المطبعة التي طبعت هذه الصحيفة بخلت فثَقُل عليها جملة “صلى الله عليه وسلم”!

وكذلك يفعل الكثير في حواراته عبر المواقع الاجتماعية.


ألا فاتقوا الله عباد الله، وأكثروا من الصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم،

فقد أمركم بذلك ربكم فقال سبحانه:

{إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}.

 يمكنكم متابعة برامج قناة الانسان و الموقع نور الاسلام