15 يونيو 2024

ماهي جزاء الصابرين في القرآن

وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون.

الصّبر

يأتي الصّبر في اللّغة بمعنى الحَبس، وجاء الصّبر في القرآن الكريم في قوله تعالى: (فَصَبْرٌ جَمِيلٌ)،

وقد ذكر الإمام ابن تيمية أنّ معنى الصّبر الجميل في قوله تعالى هو الصّبر الذي لا شكوى فيه ولا معه،

فتجد المؤمن إن أصابه بلاء احتسب أجره عند الله دون أن يشكوَ من ذلك البلاء،

لا عند وقوعه مباشرةً ولا بعد وقوعه بفترة، ويرى مجاهد -رحِمه الله- أنّ المقصود بالصّبر الجميل هنا:

الصّبر الذي لا جَزع معه، ويُعرَّف الصّبر في الاصطلاح الشرعيّ بأنّه:

الثّبات على أحكام الكتاب والسُّنة، وحَبْس النّفس عن الجَزَع والسَّخَط.

أقسام الصّبر

قسَّم العلماء الصّبر ثلاثة أقسام، هي:

الصّبر على الطّاعات؛ وذلك بأدائها على أحسن وجهٍ دون تذمُّر من وقتها، وطبيعة ما يُرافقها من عناء،

والصّبر عن المُحرَّمات؛ بتركها والابتعاد عنها ما أمكن،

والصّبر على الابتلاءات بعدم السَّخَط والشّكوى لوقوعها عليه، وحلولها به، أو بمن يُحبّ، أو بما يحبّ.


مكانة الصبر والصابرين:


إنَّ الصبرَ خلق عظيم، وله فضائل كثيرة، منها أنَّ الله يضاعفُ أجرَ الصابرين على غيرهم، ويُوفِّيهم أجْرَهم بغير حساب،

فكُلُّ عمل يُعرف ثوابه إلا الصَّبر؛ قال تعالى: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [الزمر: 10]،

كذلك فالصَّابرون في معيَّة الله، فهو معهم بهدايته ونصره وفتحه؛ قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [البقرة: 153] [الأنفال: 46]،

وأخبر – سبحانه – عن محبته لأهله فقال: {وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ} [آل عمران: 146]،

وفي هذا أعظم ترغيب للرَّاغبين، وأخبر أنَّ الصبر خيرٌ لأهله، مُؤكدًا ذلك باليمين؛

فقال سبحانه: {وَلَئِن صَبَرْتُم لَهُوَ خَيرٌ لِلصَابِريِنَ} [النحل: 126].


ولقد خصَّ الله – تعالى – الصَّابرين بأمورٍ ثلاثة لم يخصَّ بها غيرهم، وهي: الصَّلاة منه عليهم، ورحمته لهم، وهدايته إيَّاهم؛

قال تعالى: {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} [البقرة: 155 – 157].

 والله – سبحانه – قد علَّق الفلاحَ في الدنيا والآخرة بالصبر

فقال:

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [آل عمران: 200]، فعلق الفلاح بكل هذه الأمور.

وخصال الخير والحظوظ العظيمة لا يلقاها إلاَّ أهل الصبر؛ كقوله تعالى: {وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلاَ يُلَقَّاهَا إِلاَّ الصَّابِرُونَ} [القصص:80]،

وقوله: {وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} [فصلت: 35].


ولقد وردت في السُّنة النبويَّة أحاديثُ كثيرة عن رسول الله في بيان فضل الصَّبر والحثِّ عليه،

وما أعدَّ الله للصابرين من الثَّواب والأجر في الدُّنيا والآخرة منها:


عن أنس – رضي الله عنه – قال: مرَّ النَّبي بامرأةٍ تبكي عند قبر، فقال: ((اتقي الله واصبري))،

فقالت: إليك عني؛ فإنَّك لم تُصب بمصيبتي – ولم تعرفه – فقيل لها: إنه النبي،

فأخذها مِثْلُ الموت، فأتت بابَ النبِيِّ، فلم تجدْ على بابه بوَّابين،

فقالت: يا رسول الله، لم أعرفك، فقال: ((إنَّما الصَّبر عند الصَّدمة الأولى))؛

فإنَّ مفاجأةَ المصيبة بغتة لها روعةٌ تُزعزع القَلْب، وتُزعجه بصَدْمِها،

فإنَّ مَن صبر عند الصَّدمة الأولى، انكسرت حدَّة المصيبة، وضعُفت قُوَّتُها، فهان عليه استدامة الصبر.


وعن أبي سعيد الخدري – رضي الله عنه -: أنَّ رسول الله قال:

((… ومن يتصبَّر يُصبِّره الله، وما أعطي أحدٌ عطاءً خيرًا وأوسع من الصَّبر))؛ رواه البخاري ومسلم.

وفي الصَّحيحين: إنَّ رسولَ الله قسم مالاً، فقال بعض الناس: هذه قسمة ما أُريدَ بها وجه الله،

فأُخبر بذلك رسول الله، فقال: ((رحم اللهُ موسى، قد أوذي بأكثر من هذا فصبر))؛

فالنَّبي – صلَّى الله عليه وسلَّم – يُعلِّمنا كيف أنَّه كان يصبر ويتحلَّى بالصَّبر؛ حيثُ كان لا تزيده شدَّة الجهل عليه إلا حِلمًا.

ايات القران عن الصبر و الصابرين

البقرة

وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ 

(155)الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156)أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (157)(البقرة)

هود

وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (115)(هود)

الرعد

الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ (20)وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ (21)

وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (22)

جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (23)(الرعد)

جزاء الصّابرين

ذُكِر جزاء الصّابرين في الكثير من الأحاديث والنّصوص الشرعيّة، وبيان جزائهم فيما يأتي:

بالصّبر تُكفَّر السيِّئات:

فالصّبر هو أوسع بابٍ لتكفير الخَطايا والذّنوب والآثام؛ وقد رُوِي أنّ النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- قال:

(ما يُصيبُ المؤمنَ من وَصَبٍ، ولا نَصَبٍ، ولا سَقَمٍ، ولا حَزنٍ، حتَّى الهمَّ يُهمُّه، إلَّا كفَّر به من سيِّئاتِه)،

فإنّ ما يُصاب به المؤمن في الدّنيا ويصبر عليه لهُوَ عدّادٌ جارٍ من الحسنات، وبابٌ تُكفَّر به السيِّئات،

حتّى يأتي المؤمن يوم القيامة وليس عليه شيءٌ من الذّنوب إذا صبر على ما يُصيبه من بلاءٍ.

بالصّبر على البلاء دليلٌ على رضى الله عن العبد:

إذا ابتلى الله العبد المؤمن بالمصائب والهموم والأسقام، فإنّه بذلك يكون قد هيّأَ له باباً من الحسنات، فيزداد العبد بذلك قُرباً من الله عزَّ وجلّ؛

حيث رُوِي أنّ النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- قال: (من يُرِدِ اللهُ بِه خيراً يُصِبْ مِنهُ)،

ومعنى يُصِب منه: أي يلحَقُه المرض والابتلاء، فيصبر على ذلك، فيُكفِّر الله عنه سيِّئاته ويُقرِّبه منه،

ورُوِي كذلك أنَّ النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- قال:

(ما يزالُ البلاءُ بالمؤمنِ والمؤمنةِ في نفسِه، وولدِه، ومالِه حتَّى يلقَى اللهَ تعالَى وما عليه خطيئةٌ).

بالصّبر يبلغ المسلم درجةً لا يبلغها سواه من الخَلق:

إذا قضى الله أنّ عبداً من عباده سينال درجةً رفيعةً عندَه، ثمّ لمْ ينَلها بالعمل الصّالح، فإنّ الله يبتليه بالمرض أو الهموم والأسقام،

فيصبِر على ذلك، فيُدنيه الله حتّى يبلُغَ تلك المنزلة، ورُوِي كذلك عن سعد بن أبي وقّاص

-رضي الله عنه- أنّه قال: (قلتُ: يا رسولَ اللهِ أيُّ النَّاسِ أشدُّ بلاءً؟ قالَ: الأَنبياءُ، ثمَّ الأَمثلُ فالأَمثلُ؛

يُبتلَى الرَّجلُ علَى حسَبِ دينِهِ، فإن كانَ في دينِهِ صلباً اشتدَّ بلاؤُهُ، وإن كانَ في دينِهِ رقَّةٌ ابتُلِيَ علَى قدرِ دينِهِ،

فما يبرحُ البلاءُ بالعبدِ حتَّى يترُكَهُ يمشي علَى الأرضِ، وما علَيهِ خطيئةٌ).

الصّبر دليلٌ على صدق إيمان المسلم:

وذلك لقول النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: (عَجَباً لِأَمْرِ المؤمنِ؛ إنَّ أمرَهُ كلَّه له خيرٌ،

وليس ذلك لأحَدٍ إلَّا للمؤمنِ؛ إنْ أصابَتْه سرَّاءُ شَكَرَ فكان خيرًا له، وإن أصابَتْه ضَرَّاءُ صَبَرَ فكان خيراً له)،

فإذا صبرَ المؤمن على ما أصابه من قضاء الله وقدره، وذلك لعِلمه اليقينيّ المُطلَق أنّ ذلك الأمر لم يكن ليُصيبه إلّا بأمر الله، فيصبر على ذلك،

ويحتسب أجره عند الله سبحانه وتعالى، وليس ذلك إلا دليلٌ على صِدق إيمان المؤمن وقُربِه من الله.

الصّبر أفضل ما يُعطى العبدُ في الدُّنيا:

فقد رُوِي أنّ أبا سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: (إنّ ناساً من الأنصارِ سألوا رسول الله -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- فأعْطَاهم،

ثُمّ سألُوهُ فأعْطاهم حتّى نَفِدَ ما عندهُ، فقال:

(ما يكون عِندَي من خيرٍ فلن أدَّخِرَهُ عنكم، ومن يستعْفِفْ يُعِفَّهُ اللهُ، ومَن يَستَغنِ يُغنِهِ اللهُ، ومَن يتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللهُ، وما أُعْطِيَ أحدٌ عطاءً خيراً وأوسعَ مِنَ الصَّبرِ)؛

فبالصّبر تُقبَل الطّاعات، وبه يوهَب المرء ما يتمنّى من أبواب الخير، وبه ينال المسلم منزلةً لا يبلُغها سواه من العابِدين،

ولا يكون الصّبر إلّا لمَن عرف الله، فقنع بما أعطاه، وصبر على ما أصابه من البلاء.

 يمكنكم متابعة برامج قناة الانسان و الموقع نور الاسلام