23 أبريل 2024

هل عاق الوالدين لا يرى الجنة ؟

عاق الوالدين لا يرى الجنة

يُقصد بعقوق الوالدين وبرّهما ما يأتي:

تعريف العقوق لغةً:

هو العصيان، وترك الشفقة والإحسان والرحمة، والعُقق هو: قاطع الرحم.

تعريف العقوق اصطلاحاً:

اختلف معنى العقوق على عدّة أشكال؛ إذْ عرّفه القرطبيّ أنّه: مخالفة الوالدين في أغراضهما وحاجاتهما،

فإن كانت أوامر الوالدين لا تدخل في حرام؛ فرفض طاعتهما، والترحيب بذلك والإقبال عليه هو العقوق،

وقد عرّف ابن الصّلاح العقوق أنّه: كلّ فعلٍ يتأذّى به الوالد، أو نحوه، تأذياً ليس بالهيِّن، مع كونه ليس من الأفعال الواجبة.

تعريف البرّ لغةً:

هو الإحسان والطاعة، ويشتمل اللفظ معانٍ واسعةً من الخير؛ كالصلاح، والعطاء، والخير بعمومه

تعريف البرّ اصطلاحاً:

هو بذل الوُسع لإرضاء الوالدين؛ لنيل رضا الله تعالى، وإطاعتهما في كلّ أوامرهما؛ ما لم يكن معصيةً أو محرّماً،

وقد ذكر السمرقنديّ في حقوق الوالدين وكيفيّة برّهما: (إنّ من حقوق الوالد على ولده أن يطعمه إذا احتاج إلى طعمة، ويكسوه إذا قدر).

صوَر عقوق الوالدين


لعقوق الوالدين العديد من الصورِ المختلفةِ التي ينبغي الحذر من الوقوعِ بها، منها:


* رفع الصوت عند التحدث مع الوالدين، وإلقاء الأوامر عليهما، والتأفّف من طلباتهما، والعبوس في وجهيهما.

*إدخال الحُزن إلى قلبَي الوالدينِ؛ بالقول أو العمل.

 *عدم الإنصات لحديث الوالدين.

 *ذكر الوالدين بسوء أمام الآخرين. ترك الوالدين ساعات طويلة وحدهما، مع حاجتهما إلى وجود أبنائهما بجانبهما.

 *تفضيل تلبية مطالب الزوجة ورغباتها على طلبات الوالدين.

 *ضرب الوالدين والإساءة الجسديّة لهما، ووضعهما في دور المُسنّين، والدعاء عليهما، وتمنّي زوالهما.

* البُخل والشّح في الإنفاق على الوالدين.


أسباب عقوق الوالدين

 إنَّ تفريط الآباء والأمّهات بواجباتهم تجاه أبنائهم يُسهم في إنشاء جيل لا يعترف بحقوق الآباء والأمّهات،

ولا يرعى فضلهم، ومن الأسبابِ التي تقودُ بعض الأبناء إلى عقوق والديهم ما يأتي:


*إصرار بعض الآباء والأمهات على أنماط تربويّة محدّدة، لا تواكب مستجدات العصر وتطوّر الحياة.

 *عدم إدراك بعض الآباء أنَّ مفهوم التربية أوسع من مجرّد العناية والرّعاية الجسديّة والصحيّة،

* وإنمّا يشمل الرعاية النفسية، والتربية على الأخلاق الحميدة الحسنة.

 *استعجال الوالدين للوصول إلى نتائج التربية وثمارها، وإجبار الأبناء على تلبية أوامرهما،

*وعدم التهاون في زلّاتهم وأخطائهم، والعنف في التربية، كلّ ذلك يولّد مشاعر سلبيّةً تجاه الوالدين مستقبلاً.

 *الدلال الزائد للأبناء والتعامل معهم بتهاوُن بحُجّة صِغَرِ سنّهم؛ فالتربية عمليّة تراكمية تبدأ منذ الصِّغرِ.

* الاتّكالية بين الآباء والأمهات على مسؤوليّة تربية الأبناء.

*العطف الزائد من الأجداد، ممّا يترتّب عليه إفساد تربية الآباء والأمهات.

 *اختلاف وجهات النظر في تربية الأبناء بين الآباء والأمّهات، ممّا يؤدّي إلى ضياع الأبناء، وربّما إلى عدم انصياعهم لأحد.


جزاء عقوق الوالدين

شنّعَ الإسلام على عاقّ الوالدين، وذمّ من ينسى فضلهما، وتوعّد من يتنكّر لحقّهما بالحرمان في الدنيا والآخرة، وبيان ذلك فيما يأتي


يحرّم الإسلام عقوق الوالدين بشكلٍ واضحٍ وقاطعٍ، قال عزَّ وجلَّ:

(وَقَضى رَبُّكَ أَلّا تَعبُدوا إِلّا إِيّاهُ وَبِالوالِدَينِ إِحسانًا إِمّا يَبلُغَنَّ عِندَكَ الكِبَرَ أَحَدُهُما أَو كِلاهُما فَلا تَقُل لَهُما أُفٍّ وَلا تَنهَرهُما وَقُل لَهُما قَولًا كَريمًا)،

وعدَّ ذلك من كبائر الذنوب التي يقترفها العبد، حيث قال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم:

(ألا أخبركم بأكبر الكبائر؟ قالوا: بلى يا رسول اللَّه. قال: الإشراك باللَّه، وعقوق الوالدَين).


يفتح عاقُّ والديه على نفسه بابين من أبواب جهنّم، قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:

(ما من مسلم يصبِح ووالداه عنه راضيان، إِلَّا كان له بابان من الجنة، وإن كان واحداً فواحدٌ، وما من مسلم يصبح ووالداه عليه ساخطان إِلَّا كان له بابان من النار،

وإن كان واحداً فواحدٌ، فقال رجل: يا رسول الله، فإن ظلماه؟ قال صلّى الله عليه وسلّم: وإن ظلماه، وإن ظلماه، وإن ظلماه، ثلاث مرّات).ٍ


يُحرَم العاقُّ لوالديه من دخول الجنة، لقول الرسول صلّى الله عليه وسلّم: (لا يدخل الجنة عاقٌّ، ولا منَّانٌ، ولا مُدمن خمر).

 تُعجَّلُ لعاقِّ الوالدين العقوبة في الدنيا قبل الآخرة، وينال جزاء عقوقه فيها،

قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: (ما مِن ذَنْبٍ أجدر أن يُعجِّل الله لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدَّخر له في الآخرة من البغي، وقطيعة الرحم).


لا يَسلَمُ عاقّ الوالدين من انتزاع البركة من عمره وحياته، وقلّة الرزق، وعدم استجابة دعائه،

وحرمانه من رفع أعماله إلى السماء، وهو مخلوف بعقوق أبنائه وذريّته من بعد عقوقه لوالديه.


عناية الإسلام بالوالدين

الوالدان هما سبب وجود الأبناء بعد إرادة اللهِ تعالى، ومن العسير إحصاء ما يلقاه الأبوان من كدّ وتعب،

وما واجهاه من مصاعب ومشاقة في سبيل رعاية أبنائهم، فلا يستقرّان ولا يهدأُ بالهما إلّا بحُسن حال أبنائهما؛

يتابعان خطواتهم وحركاتهم باهتمام بالغ، ويفكّران بإسعادهم؛ فالأبناء شغل والديهم تعليماً، وتأديباً، ورعايةً.

الأمَّ

تحمل ولدها في أحشائها تسعة أشهر؛ يتقوّى وينمو في جسدها، فتعيش الآلام المتتالية المليئة بالوَهن والضّعف،

وعند الولادة تعيش نوعاً آخر من آلام المخاض، ثمَّ تبدأُ مرحلة الرِّضاعة لشهور طويلة، وكلُّ ذلك يستلزم العناية والتّعهد والتربية،

قال تعالى: (وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِير).ُ


الأب

يكدُّ ويشقى من أجل راحة أبنائه وتأمين حياة كريمة لهم، ويتعهّدهم بالتوجيه والتأديب، ويصون حقوقهم ويرعاها،

كما يشكّل لأبنائه درعاً ماديّاً ومعنويّاً من المخاطر والشّرور.

هل عقوق الوالدين موجب لرد العمل وعدم قبوله ؟


عقوق الوالدين من كبائر الذنوب والآثام ، والعاق معرض بعقوقه لسخط الله وغضبه .


وقد روى الطبراني في ” الأوسط ” عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( مَلْعُونٌ مَنْ عَقَّ وَالِدَيْهِ ) ،


وروى النسائي عن ابن عمر رضي الله عنهما قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

( ثَلَاثَةٌ لَا يَنْظُرُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ : الْعَاقُّ لِوَالِدَيْهِ ، وَالْمَرْأَةُ الْمُتَرَجِّلَةُ ، وَالدَّيُّوثُ ، وَثَلَاثَةٌ لَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ :

الْعَاقُّ لِوَالِدَيْهِ ، وَالْمُدْمِنُ عَلَى الْخَمْرِ ، وَالْمَنَّانُ بِمَا أَعْطَى )

وروى أحمد عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ الْجُهَنِيِّ رضي الله عنه قَالَ : ” جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ،

فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللهِ ، شَهِدْتُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ ، وَأَنَّكَ رَسُولُ اللهِ ، وَصَلَّيْتُ الْخَمْسَ ، وَأَدَّيْتُ زَكَاةَ مَالِي ، وَصُمْتُ شَهْرَ رَمَضَانَ ،

فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم : ( مَنْ مَاتَ عَلَى هَذَا كَانَ مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ هَكَذَا – وَنَصَبَ إِصْبَعَيْهِ – مَا لَمْ يَعُقَّ وَالِدَيْهِ )

وفي هذا زجر وترهيب شديد من عقوق الوالدين .

وقد ورد في حديث رواه ابن أبي عاصم في ” السنة ” عَنْ أَبِي أُمَامَةَ رضي الله عنه ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( ثَلَاثَةٌ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ لَهُمْ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا : عَاقٌّ ، وَمَنَّانٌ ، وَمُكَذِّبٌ بِالْقَدَرِ ) ،

فإن ثبت هذا الحديث ، فقد قيل في معنى : ( لَا يَقْبَلُ اللَّهُ لَهُمْ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا ) عدة أقوال ، منها : أنه لا يقبل منهم فريضة ولا نافلة .


ما يدل على أن عقوق الوالدين يحبط الأعمال ، ولفظه : ( ثَلَاثَةٌ لَا يَنْفَعُ مَعَهُنَّ عَمَلٌ : الشِّرْكُ بِاللهِ ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ ، وَالْفِرَارُ مِنَ الزَّحْفِ ) : إلا أنه حديث ضعيف جدا .

فإن صح ذلك ، فإنه يدل على أن معصية عقوق الوالدين يعاقب صاحبها بأنه لا يقبل له عمل .


وليس معنى ذلك ـ إن قلنا به ـ أن عمله باطل لا يجزئه ، فالعمل صحيح مجزئ ، لا يطالب به بعد ما عمله ، ولكن لا ثواب له فيه .

آثار عقوق الوالدين على الإنسان

إنّ من عدل الله -تعالى- أن يجعل عاقبة عقوق الوالدين تعود سريعاً على صاحبها؛ وفي ذلك تنبيهاً له لعلّه يتوب،

ويُقلع عن ذنبه، أو يُعاقب بسبب عقوقه، وفي ما يأتي بعض آثار العقوق التي تعود على صاحبها:

الحرمان من دعوات الوالدين؛ حيث إنّ دعوة الوالد عن الله -تعالى- لها منزلة رفيعة، وهي قريبة من الاستجابة،

لكنّ العاقّ لا ينال فضل دعوات والديه فيخسر بذلك الكثير.

نزول سخط الله -تعالى- على العاقّ، فإنّ الوالدين ووجودهما يعدّ من أجلّ نعم الله -تعالى- على الإنسان،

فإذا أهان الولد والديه وعقّهما كان ذلك كفراناً لنعمة الله -سبحانه- عليه وجحوداً،

فبذلك يكون العاقّ قد أوجب سخط الله -تعالى- وعقوبته عليه من حيث لا يحتسب.

سقوط هيبة العاقّ لوالديه، ووقاره بين الناس، فالناس تحترم من يحترم أهله ويجلّهم، وتبغض من كان عاقّاً،

فمن لم يكن فيه خير لوالديه، فذلك أدعى أن ينقطع خيره عن عموم الناس من حوله. استحقاق الولد العاقّ أن يكون أولاده عاقّين له بعد مرور زمن؛

فالجزاء من جنس العمل، فمن كان عاقّاً لوالديه، رُزق بأولادٍ يعقّون والديهم.

الحرمان من جنّة الله -تعالى- ورضوانه، ولذّة النّظر لوجهه الكريم، فقد قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:

(ثلاثةٌ لا يدخلون الجنَّةَ: العاقُّ لوالدَيْه، والدَّيوثُ، ورجُلةُ النِّساءِ)

خاتمة:

قال الله تعالى:{يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ}سورة عبس الآيات من 34إلى 37.


ففي يوم القيامة الولدُ الذي ظلم والدهُ أو والدته، أو ظلم ابنه أو ظلم ابنته أو ظلم أخاه أو الوالد الذي ظلم ولده أو ابنته هؤلاء يفرّون من بعضهم يوم القيامة، أما الولد البارُّ بأمه وأبيه لا يفرّ منهما ولا يفرّان منه.


فليعلم كم للظلم من مساوىء وظلمات يوم القيامة، فاحرص على أن تكون بارًّا بأهلك، معينًا لزوجتك، محسنًا لأخيك ولابنك وابنتك، تكن فائزًا بإذن الله تعالى.

وهذا كلُّه لا بدَّ له من العلم، فبعلم الدين تعرف كيف تصحّ منك العبادة، وبعلم الدين تعرف كيف تكون بارًّا بأمّك وأبيك،

وكيف تربي أولادك التربية الصالحة، وكيف تكون من المتقين، قال تعالى:{الْأَخِلَّاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ}سورة الزخرف67/.

اللهم اجعلنا منهم وارزقنا العلم النافع والعمل به والحمد لله رب العالمين.

 يمكنكم متابعة برامج قناة الانسان و الموقع نور الاسلام