15 يونيو 2024

خطبة الجمعة وقولوا للناس حُسنًا

خطبة الجمعة وقولوا للناس حُسنًا

الكلمة الطيبة

هداية الله وفضله لعباده {وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ} [الحج:24]، وهي رسالة المرسلين، وسمة المؤمنين،

دعا إليها رب العالمين في كتابه الكريم فقال: {وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْـزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ

الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا} ( الإسراء:53).

القران الكريم

إنّ القرآن الكريم بيّن لنا أهمية الكلمة الطيبة وعظيم أثرها واستمرار خيرها، وبين خطورة الكلمة الخبيثة

وجسيم ضررها وضرورة اجتثاثها، يقول جل جلاله: {أَلَمْ تَرَ‌ كَيْفَ ضَرَ‌بَ اللَّـهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَ‌ةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا

ثَابِتٌ وَفَرْ‌عُهَا فِي السَّمَاءِ . تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَ‌بِّهَا ۗ وَيَضْرِ‌بُ اللَّـهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُ‌ونَ .

وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَ‌ةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الْأَرْ‌ضِ مَا لَهَا مِن قَرَ‌ارٍ‌} [إبراهيم:24-26
يقول ابن القيم رحمه الله: “شَبّه الله سبحانه الكلمة الطيبة -كلمة التوحيد- بالشجرة الطيبة لأن الكلمة الطيبة تثمر

العمل الصالح، والشجرة تثمر الثمر النافع”. الكلمة الطيبة هي حياة القلب، وهي روح العمل الصالح، فإذا رسخت

في قلب المؤمن وانصبغ بها {صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ} [البقرة:138] وواطأ قلبُه لسانَه، وانقادت جميعُ أركانه وجوارحه، فلا ريب أن هذه الكلمة تؤتي العمل المتقبَّل {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ

وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} [فاطر:10].

والكلمة الطيبة هي كلمة الحق ثابتة الجذور، سامقة الفروع لا تُزعزعها أعاصير الباطل، ولا تحطِّمها معاول الهدم

والطغيان، تقارع الكلمةُ الطيبةُ كلمةَ الباطل فتجتثّها فلا قرار لها ولا بقاء، لا بل {يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ

فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ} [الأنبياء:18

اثر الكلمة الطييبة

الكلمة الطيبة حيَّةٌ نابضة، لا تموت ولا تذوي، لأن بذورها تنبت في النفوس المؤمنة الثابتة على الإيمان،

المتجددة بتجدد الأجيال، التي تعرف حقيقة وجودها ومعالم طريقها، والتي بها {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ

الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ} [إبراهيم:27

رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المثل الأعلى لأمته لم يكن فظًا غليظًا، بل كان سهلًا سمحًا، لينًا، دائم البشر،

يواجه الناس بابتسامة حلوة، ويبادرهم بالسلام والتحية والمصافحة وحسن المحادثة، علَّمنا أدب التخاطب وعفة

اللسان فقال صلى الله عليه وسلم: «ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء» ( رواه ابن الحاكم في

المستدرك على الصحيحين).
وعلمًا أن «الكلمة الطيبة صدقة» كما قال نبيُّنا صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه، وأنها تحجب المؤمن

من النار؛ ففي حديث عمر بن حاتم رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه

: «اتّقوا النار ولو بشق تمرة فإن لم تجدوا فبكلمة طيبة» ( رواه أحمد في مسنده).

الكلمة الطيبة شعبة من شعب الإيمان؛

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت» (متفق عليه).

 وبالكلمة الطيبة تتحقق المغفرة لقوله صلى الله عليه وسلم: «إن من موجبات المغفرة بذل السلام وحسن الكلام»

(رواه الطبراني)، بل إن الكلمة الطيبة سبب في دخول الجنة؛ فعن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه  أن النبي

صلى الله عليه وسلم قال: «في الجنة غرفة يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها لمن ألان الكلام أطعم الطعام بات لله قائمًا والناس نيام» (رواه أحمد في مسنده).
بكلمة ينال العبد رضوان الله فيرفعه بها إلى أعلى الدرجات، وبكلمة يسخط الله عليه فيهوي بها إلى أسفل الدركات،

ففي الصحيحين عن حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلّم قال: “إنّ العبد ليتكلم بالكلمة من

رضوان الله لا يلقي لها بالًا يرفعه الله بها درجات وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالًا يهوي بها في جهنم”.
السلف الصالح والمؤمنون الصادقون الصالحون كانوا يتعهدون ألسنتهم ويحرصون على انتقاء كلماتهم وألفاظهم

فعاشوا أتقياء أنقياء أصفياء وسعداء. فهذا الأحنف، ابن قيس يخاصمه رجل فيقول له: “لئن قلت واحدة لتسمعن

عشرًا”، فيقول له الأحنف: “لكنك والله لو قلت عشرًا ما سمعت واحدة”.