20 يوليو 2024

ماهي أحكام النساء في الحيض ؟

ماهي أحكام النساء في الحيض


الآيتان 222 – 223

﴿وَيَسْئلُونَكَ عَنِ الَْمحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُواْ الِنّسَآءَ فِي الَْمحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْن فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهّرِينَ /

نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُواْ لاِنفُسِكُمْ وَاتَّقُواْ اللهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّكُم مُّلاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ(

سبب النّزول

للنساء عادة شهرية تستمر بين ثلاثة إلى عشرة أيام.

وخلالها يخرج من رحم المرأة دم ذو أوصاف خاصّة مذكورة في كتب الفقه.

والمرأة في هذه الحالة تكون حائضاً، وموقف الديانتين اليهودية والنصرانية الحاليتين من المرأة الحائض متناقض يثير الإستغراب.

جمع من اليهود قالوا: إنّ معاشرة المرأة الحائض حرام حتّى المجالسة على مائدة الطعام أو في غرفة واحدة.

ويذهبون إلى حظر جلوس الرجل في المكان الذي تجلس فيه الحائض، وإن فعل ذلك تنجّست ملابسه وعليه أن يغسلها،

وإن رقد معها على سرير واحد تنجّس بدنه ولباسه، فهم يعتبرون المرأة في هذه الحالة موجوداً مدنساً يلزم اجتنابه.

ومقابل هؤلاء يذهب النصارى إلى عدم التفريق بين حالة الحيض والطهر في المرأة، حتّى بالنسبة للجماع.

المشركون العرب، وخاصّة أهل المدينة منهم، كانوا متأثرين بالنظرة اليهودية، ويعاملون المرأة الحائض على أساسها، فينفصلون عنها خلال مدّة الحيض.

وهذا الاختلاف في المواقف وما يصحبه من إفراط وتفريط دفع ببعض المسلمين لأن يسأل رسول الله (ص) عن ذلك، فنزلت الآية.

التّفسير

أحكام النساء في العادة الشهريّة :

في الآية الاُولى نلاحظ سؤال آخر عن العادة الشهريّة للنّساء، فتقول الآية:

(ويسألونك عن المحيض قل هو أذىً) وتضيف بلا فاصلة (فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهنّ حتّى يُطهرن…).

(المحيض)

مصدر ميمي ويعني العادة الشهريّة للنساء، وجاء في معجم مقاييس اللّغة أنّ أصل هذه المفردة تعني خروج سائل أحمر من شجرة تُدعى “سَمُرة”

(ثمّ استُعملت للعادة الشهريّة للنساء) ولكن ورد في تفسير “الفخر الرّازي” أنّ الحيض في الأصل بمعنى السيل

ولذلك يُقال للسّيل عند حدوثه (حاض السّيل) ويُقال للحوض هذه اللّفظة بسبب أنّ الماء يجري إليه.

ولكن يُستفاد من كلمات الرّاغب في المفردات عكس هذا المطلب وأنّ هذه المفردة في الأصل تعني دم الحيض

(ثمّ استعملت في المعاني الاُخرى).

فعلى كلّ حال فهذه العبارة تعني دم الحيض الّذي عرّفه القرآن بأنّه أذىً،

وفي الحقيقة أنّ هذه العبارة تُبيّن علّة اجتناب الجماع في أيّام الحيض،

فهو إضافة إلى ما فيه من اشمئزاز، ينطوي على أذى وضرر ثبت لدى الطبّ الحديث،

ومن ذلك احتمال تسبيب عقم الرجل والمرأة،

وإيجاد محيط مناسب لتكاثر جراثيم الأمراض الجنسية مثل السفلس والتهابات الأعضاء التناسلية للرجل والمرأة،

ودخول مواد الحيض المليئة بمكروبات الجسم في عضو الرجل،

وغير ذلك من الأضرار المذكورة في كتب الطب، لذلك ينصح الأطباء باجتناب الجماع في هذه الحالة.

خروج دم الحيض يعود إلى احتقان الرحم وتسلّخ جداره، ومع هذا الإحتقان يحتقن المبيض أيضاً،

ودم الحيض في البداية يكون متقطّعاً باهت اللون ثمّ يزداد ويحمرّ ويعود في الأخير إلى وضعه المتقطّع الباهت.

الدم الخارج في أيّام العادة الشهرية هو الدم الذي يتجمّع شهرياً في العروق الداخلية للرحم من أجل تقديم الغذاء للجنين المحتمل.

ذلك لأنّ مبيض المرأة يدفع كلّ شهر ببويضة إلى الرحم،

وفي نفس الوقت تمتلىء عروق الرحم بالدم استعداداً لتغذية الجنين فإن انعقد الجنين يستهلك الدم لتغذيته، وإلاّ يخرج بشكلدم حيض.

من هنا نفهم جانباً آخر لحظر الجماع في هذه الفترة التي يكون الرحم خلالها غيرمستعد استعداداً طبيعياً لقبول نطفة الرجل، حيث يواجه أذى من جراء ذلك.

جملة (يَطْهُرْنَ) بمعنى طهارة النساء من دم الحيض كما ذهب إليه كثير من المفسّرين،

وأمّا جملة (فإذا تَطَهَّرْنَ) فقد ذهب الكثير منهم على أنّها تعني الغُسل من الحيض،

فعلى هذا الأساس وطبقاً للجملة الاُولى تكون المقاربة الجنسيّة بعد انتهاء دم الحيض جائزة حتّى لولم تغتسل،

وأمّا الجملة الثانيّة فتعني أنّها ما لم تغتسل فلا يجوز مقاربتها.

وعلى هذا فالآية لا تخلو من إبهام، ولكن مع الإلتفات إلى أنّ الجملة الثانية تفسير للجملة الاُولى ونتيجة لها (ولهذا اُعطفت بفاء التفريع)

فالظاهر أنّ (تَطَهَّرْنَ) أيضاً بمعنى الطهارة من دم الحيض، وبذلك تجوز المقاربة الجنسيّة بمجرّد الطّهارة من العادة الشهريّة،

وهذا هو ما ذهب إليه الفقهاء العظام في الفقه وأفتوا بحليّة المقاربة الجنسيّة بعد الطهارة من الحيض حتّى قبل الغسل، ولكن لا شكّ في أنّ الأفضل أن تكون بعد الغسل.

الفقرة الثانية من الآية

تقول (فأتوهنّ من حيث أمركم الله)أي أن يكون الجماع من حيث أمر الله،

وقد تكون هذه الفقرة تأكيداً لما قبلها، أي آتوا نساءكم في حالة النقاء والطّهر فقط لا في غير هذه الحالة،

وقد يكون مفهومها أوسع بخصوص أنّ الجماع بعد الطّهر يجب أن يكون في إطار أوامر الله أيضاً.

هذا الأمر الإلهي من الممكن أن يشمل الأمر التكويني والأمر التشريعي معاً،

فالله سبحانه أودع فيالرّجل والمرأة الغريزة الجنسيّة لبقاء نوع الإنسان،

وهذه الغريزة تدفع الإنسان للحصول على اللّذة الجنسيّة، لكنّ هذه اللّذة مقدّمة لبقاء النوع فقط،

ومن هنا لايجوز الحصول عليها بطرق منحرفة مثل الإستمناء واللّواط وأمثالهما،

لأنّ هذا الطريق نوع من الإنحراف عن الأمر التكويني.

وكذلك يمكن أن يكون المراد هو الأمر التشريعي، يعني أنّ الزوجة بعد طهارتها من العادة الشهريّة ينبغي عليها مراعاة جهات الحلال والحرام في الحكمالشرعي.

وذهب البعض إلى أنّ مفهوم هذه الجملة هو حرمة المقاربة الجنسيّة مع الزّوجة عن غير الطريق الطبيعي،

ولكن مع الإلتفات إلى أنّ الآيات السابقة لم تتحدّث عن هذا الأمر يكون هذا التفسير غير مناسب للسّياق

الآية الثانية

إشارة لطيفة إلى الغاية النهائيّة من العمليّة الجنسيّة فتقول (نساءكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنّى شئتم)

في هذه الآية الكريمة شبّهت النساء بالمزرعة، وقد يثقل هذا التشبيه على بعض، ويتساءل لماذا شبّه الله نصف النوع البشري بهذا الشكل؟

ولو أمعنا النظر في قوله سبحانه لوجدنا فيه إشارة رائعة لبيان ضرورة وجود المرأة في المجتمع الإنساني.

فالمرأة بموجب هذا التعبير ليست وسيلة لإطفاء الشهوة، بل وسيلة لحفظ حياة النوع البشري.

“الحرث” مصدر يدلّ على عمل الزراعة، وقد يدلّ على مكان الزراعة “المزرعة” و “أنّى” من أسماء الشرط، وتكون غالباً زمانية.

وقد تكون مكانية كما جاء في قوله سبحانه: (يا مريمُ أنّى لِكِ هذا قالت هو من عند الله)

يستفاد من الآية الكريمة- على افتراض زمانية أنّى- الرخصة في زمان الجماع،

أي جوازه في كلّ ساعات الليل والنهار، وعلى افتراض مكانية أنّى يستفاد من الآية الرخصة في مكان الجماع ومحلّه وكيفيته.

(وقدّموا لأنفسكم) هذا الأمر القرآني يشير إلى أنّ الهدف النهائي من الجماع ليس هو الإستمتاع باللذة الجنسية،

فالمؤمنون يجب أن يستثمروه على طريق تربية أبناء صالحين، وأن يقدّموا هذه الخدمة التربوية المقدّسة ذخيرة لاُخراهم.

وبذلك يؤكّد القرآن على رعاية الدقّة في انتخاب الزوجة كي تكون ثمرة الزواج إنجاب أبناء صالحين وتقديم هذه الذخيرة الإجتماعية الإنسانية الكبرى.

وفي حديث عن رسول الله (ص) قال:

“إذا مات الإنسان انقطع عمله إلاّ عن ثلاث: صدقة جارية، وعلم ينتفع به، وولد صالح يدعو له”(5).

وجاء في الحديث عن الإمام الصادق (عليه السلام): “ليس يتبع الرجل بعد موته من الأجر إلاّ ثلاث خصال.

: صدقة أجراها في حياته فهي تجري بعد موته وسنّة هدىً سنّها فهي تُعمل بها بعد موته وولد صالح يستغفر له”.

ووردت بهذه المضمون روايات عديدة أيضاً، وقد جاء في بعضها ستّة موارد أوّلها الولد الصالح

وعلى هذا الأساس يأتي الولد الصالح من حيث الأهميّة إلى جانب الخدمات العلميّة

وتأليف الكتب المفيدة وتأسيس المراكز الخيريّة كالمسجد والمستشفى والمكتبة وأمثال ذلك.

وفي ختام هذه الآية تأمر بالتقوى وتقول:(واتّقوا الله واعلموا أنّكم ملاقوه وبشّر المؤمنين).

لمّا كانت المقاربة الجنسيّة تعتبر من المسائل المهمّة ومن أشد الغرائز إلحاحاً على الإنسان،

فإنّ الله تعالى يدعو في هذا الآية الإنسان إلى الدقّة في أمر ممارسة هذه الغريزة والحذر من الإنحراف،

وتُنذر الجميع بأنّهم ملاقوا ربّهم وليس لهم طريق للنّجاة سوى الإيمان والتقوى.

بحوث

1- الحكم الإسلامي العادل في مسألة الحيض

هناك الاعتقادات مختلفة في الأقوام السّالفة حول العادة الشهريّة للنّساء، فاليهود يُشدّدون أمرها ويعزلون المرأة في هذه الأيّام كليّاً عن كلّ شيء:

عن الأكل والشرب عن المجالسة والمؤاكلة والمضاجعة، وقد وردت في التوراة الحاليّة أوامر متشدّدة في هذا الصّدد

وعلى العكس من ذلك النّصارى حيث لا يلتزمون بأيّة محدوديّة في هذه الأيّام،

لا فرق بين حالة الحيض والطّهر لدى المرأة.

المشركون العرب ليس لديهم حكماً خاصّاً في هذا المجال، ولكنّ أهالي المدينة كانوا متأثّرين بآداب اليهود

وعقائدهم في معاشرتهم للنّساء أيّام الحيض فكانوا يتشدّدون مع المرأة في هذه الأيّام،

في حين أنّ سائر العرب لم يكونوا كذلك، بل قد تكون المقاربة الجنسيّة محببّة لديهم فيها،

ويعتقدون أنّه لو حصل من تلك المقاربة ولد فإنّه سوف يكون فتّاكاً ومتعطّشاً للدّماء، وهذه من الصّفات المتميّزة والمطلوبة لدى أعراب البادية.

2- اقتران الطهارة بالتوبة

إنّ إقتران الطهارة والتوبة في الآيات أعلاه يُمكن أن يكون إشارة إلى أنّ الطّهارة تتعلّق بالطّهارة الظاهريّة والتوبة إشارة إلى الطّهارة الباطنيّة.

ويحتمل أيضاً أنّ الطهارة هنا عدم التلوّث بالذنب، يعني أنّ الله تعالى يحب من لم يتلوّث بالذنب، وكذلك يحب من تاب بعد تلوّثه.

ويمكن أن تشير مسألة التوبة هنا إلى أنّ بعض الناس يصعب عليهم السيطرة على الغريزة الجنسيّة فيتلوّثون بالذّنب والإثم خلافاً لما أمر الله تعالى،

ثمّ يعتريهم النّدم على عملهم ويتألمون من ذلك، فالله سبحانه وتعالى فتح لهم طريق التوبة كيلا يصيبهم اليأس من رحمة الله
والله اعلم

يمكنكم متابعة برامج قناة الانسان و الموقع نور الاسلام