23 أبريل 2024

ما حكم الخروج من بلد وقع فيها الوباء فرارًا منه وكراهة القدوم عليه ؟

ما حكم الخروج من بلد وقع فيها الوباء فرارًا منه وكراهة القدوم عليه

كراهة الخروج من بلد وقع فيها الوباء فرارًا

قال الله تعالى: أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ [النساء:78]. وقال تعالى: وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [البقرة:195].
1/1791- وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي اللَّه عَنْهُمَا أنَّ عُمَر بْنِ الْخَطَّابِ  خَرَجَ إلَى الشَّامِ حَتَّى إذَا كَانَ بِسَرْغٍ لَقِيَهُ أُمَراءُ الأجْنَادِ أبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الجَرَّاحِ وَأصْحَابُهُ فَأَخْبَرُوهُ أنَّ الْوبَاءَ قَدْ وَقَعَ بالشَّامِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَقَالَ لي عُمَرُ:

ادْعُ لِي المُهاجرِين الأوَّلِينَ فَدَعَوتُهم، فَاسْتَشَارهم، وَأَخْبرَهُم أنَّ الْوَبَاءَ قَدْ وَقَعَ بِالشَّامِ، فَاخْتلَفوا، فَقَالَ بَعْصُهُمْ: خَرَجْتَ لأَمْرٍ، وَلاَ نَرَى أنْ تَرْجِعَ عَنْهُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ:

مَعَكَ بَقِيَّة النَّاسِ وَأصْحَابُ رسُولِ اللَّه ﷺ، وَلا نَرَى أنْ تُقْدِمَهُم عَلَى هَذَا الْوَبَاءِ، فَقَالَ: ارْتَفِعُوا عَنِّي، ثُمَّ قَالَ: ادْعُ لِي الأَنْصَارَ، فَدعَوتُهُم، فَاسْتَشَارهمْ، فَسَلَكُوا سَبِيلَ المُهاجرِين، وَاختَلَفوا كَاخْتلافهم،

فَقَال: ارْتَفِعُوا عَنِي، ثُمَّ قَالَ: ادْعُ لِي مَنْ كَانَ هَا هُنَا مِنْ مَشْيَخَةِ قُرَيْشٍ مِنْ مُهَاجِرةِ الْفَتْحِ، فَدَعَوْتُهُمْ، فَلَمْ يَخْتَلِفْ عَلَيْهِ مِنْهُمْ رَجُلانِ، فَقَالُوا: نَرَى أنْ تَرْجِعَ بِالنَّاسِ وَلاَ تُقْدِمَهُم عَلَى هَذَا الْوَبَاءِ، فَنَادى عُمَرُ  في النَّاسِ: إنِّي مُصْبِحٌ عَلَى ظَهْرِ، فَأَصْبِحُوا عَلَيْهِ.

فَقَال أبُو عُبَيْدَةَ بْن الجَرَّاحِ : أَفِرَارًا مِنْ قَدَرِ اللَّه؟ فَقَالَ عُمَرُ : لَوْ غَيْرُكَ قَالَهَا يَا أبَا عُبيْدَةَ، وكَانَ عُمَرُ يَكْرَهُ خِلافَهُ، نَعَمْ نَفِرُّ منْ قَدَرِ اللَّه إلى قَدَرِ اللَّه، أرأَيْتَ لَوْ كَانَ لَكَ إبِلٌ، فَهَبَطَتْ وَادِيًا لهُ عُدْوَتَانِ، إحْدَاهُمَا خَصْبةٌ، والأخْرَى جَدْبَةٌ، ألَيْسَ إنْ رَعَيْتَ الخَصْبَةَ رعَيْتَهَا بقَدَرِ اللَّه، وإنْ رَعَيْتَ الجَدْبَةَ رعَيْتَهَا بِقَدَر اللَّه،

قَالَ: فجَاءَ عَبْدُالرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ، وَكَانَ مُتَغَيِّبًا في بَعْضِ حَاجَتِهِ، فَقَال: إنَّ عِنْدِي مِنْ هَذَا عِلْمًا، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّه ﷺ يَقُولُ: إذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأرْضٍ، فلاَ تَقْدمُوا عَلَيْهِ، وإذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا، فَلا تخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ فَحَمِدَ اللَّه تَعَالى عُمَرُ  وَانْصَرَفَ، متفقٌ عَلَيْهِ.

كراهة القدوم على بلد وقع فيه الطاعون


وَعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ  عنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إذَا سمِعْتُمْ الطَّاعُونَ بِأَرْضٍ، فَلاَ تَدْخُلُوهَا، وَإذَا وقَعَ بِأَرْضٍ، وَأَنْتُمْ فِيهَا، فَلاَ تَخْرُجُوا مِنْهَا متفقٌ عليهِ.

تفصيل هذه المسألة وشرح الحاديث الواردة

فهذان الحديثان قصة عمر  لما توجه إلى الشام لحرب الروم، وكانت الجيوش في الشام، جيوش المسلمين في الشام

مع قائدهم أبي عبيدة بن الجراح ويزيد بن أبي سفيان وجماعة، فلما وصل عمر  إلى محل يقال له السرغ -في أطراف الشام- بلغه أن الطاعون قد وقع في الشام -يعني الوباء الخبيث- فتوقف واستشار الناس في ذلك هل يرجع أو

ما يرجع؟
دعا بالمهاجرين  فانقسموا، منهم من قال يرجع، ومنهم من قال لا ترجع، ثم دعا الأنصار الذين معه فاختلفوا

كاختلاف المهاجرين، منهم من قال ارجع، ومنهم من قال لا ترجع، ثم دعا بقية الصحابة الذين أسلموا عام الفتح فاستشارهم فأجمع رأيهم على الرجوع وألا يقدم الناس على هذا الوباء، يعني ألا يقدم الجيش الذي معه على هذا

الوباء، فعزم على الرحيل ونادى في الناس إنه مصبح على ظهر -يعني أنه متوجه صباحًا إلى المدينة- راجعًا إلى المدينة،

حديث ابو عبيدة الجراح

فجاءه أبو عبيدة بن الجراح أمير الجيوش في الشام وهو من العشرة المشهود لهم بالجنة م فقال يا أمير المؤمنين

أفرارًا من قدر الله؟ فقال عمر: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة -يعني لكان أسهل- ثم قال عمر : نعم نفر من قدر الله إلى

قدر الله، نفر من قدر الله الذي هو الوباء إلى قدر الله الذي هو السلامة وهو طريق السلامة، ثم قال أضرب لك مثلًا:

إن هبط واديًا له شعبتان -له جانبان- جانب مخصب وجانب مجدب، فرعيت إبلك في الجانب المخصب أليس هذا من

قدر الله؟ وإن رعيتها في الجانب المجدب أليس هذا من قدر الله؟! وعليك أن ترعيها في الجانب المخصب، ما هو في

الجانب المجدب، وكله من قدر الله، فبينما هو كذلك إذ جاء عبدالرحمن بن عوف  الزهري وهو من العشرة المشهود

لهم بالجنة أيضًا، فقال: عندي علم عن النبي ﷺ في هذا،

جواز الهروب من ارض الطاعون :

ففرح عمر بذلك والمسلمون، فقال: إني سمعت النبي ﷺ يقول: إذا سمعتم بهذا الوباء في أرض -يعني الطاعون-

فلا تقدموا عليها، وإن وقع وأنتم بالبلد فلا تخرجوا فرارًا منه فهذا هو فصل النزاع، هذا هو الفصل، إذا وقع

الطاعون وأنت في البلد فلا تخرج فرارًا منه، أما إذا خرج الإنسان لحاجة أخرى ليس لقصد الفرار فلا بأس،

وأما إذا وقع وأنت خارج البلد فلا تقدم عليه، إذا وقع في الشام أو في مصر أو في أي مكان فلا تقدم عليه،

ولكن متى وقع وأنت في البلد فاصبر على قدر الله، والآجال مضروبة ما أحد يتقدم عن أجله ولا يتأخر، كما

قال تعالى: أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ [النساء:78] لكن الإنسان مأمور بالبعد عن

أسباب الهلاك، قال تعالى: وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [البقرة:195] فالإنسان يأخذ بالأسباب وما كتب الله

ماض ونافذ لا حيلة فيه، لكنه مأمور بالأسباب التي شرعها الله، وهذا الوباء سنة سبع عشرة من الهجرة،

وقيل سنة ثمانية عشر من الهجرة، مات فيه أبو عبيدة أمير الجيش ، وهو ممن كان في البلد وتوفي بهذا

الطاعون، وهو شهادة للمؤمن، هذا الوباء شهادة للمؤمن، ومات فيه أيضًا معاذ بن جبل وجماعة من

المسلمين في الشام في هذا الوباء رضي الله عنهم ورحمهم.
وفق الله الجميع.

يمكنكم متابعة برامج قناة الانسان و الموقع نور الاسلام