20 يوليو 2024

حُكم الاعتكاف للرجل والمرأة وشروطه في الاسلام


حُكم الاعتكاف للرجل والمرأة وشروطه في الاسلام

الاعتكاف

يختلفُ تعريف الاعتكاف في اللغة عنه في الاصطلاح؛ فالاعتكاف (لغة): هو أن يحبس الشخص نفسه على شيء، ويُلزِمها به، سواء أكان هذا الشيء مباحاً أو كان معصية، فهو لا يختلف من حيث اللغة.

 أمّا في الاصطلاح الشرعيّ، فقد ورد تعريف الاعتكاف على أنّه: لزوم مسجد؛ لعبادة الله تعالى.

وتجدر الإشارة إلى أنّ الاعتكاف يصحّ ولو لم يكن معه صوم، وهو من الأمور المُستحَبّة، والمسنونة، وقد ثبتت مشروعيّته في الكتاب، والسنّة، والاجماع، وفيما يأتي ذِكر بعض هذه الأدلّة:

 ورود قوله -تعالى-: (وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ)؛ والذي دلّ على أنّ الاعتكاف مشروع إجمالاً.

 ورود أحاديث كثيرة تواترَ فيها خبر اعتكاف النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم-، ومنها ما رواه مسلم: (أنَّ رَسولَ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ- كانَ يَعْتَكِفُ العَشْرَ الأوَاخِرَ مِن رَمَضَانَ).

 نَقْل الإجماع عن أكثر من عالِم أنّ الاعتكاف من الأمور المسنونة، والمندوبة، والمُستحب

شروط المعتكِف

 هناك شروط يجب أن تتوفّر في الشخص المُعتكِف، ومنها ما يأتي:

 الإسلام: يجب أن يكون المُعتكِف مسلماً؛ فلا يصحّ الاعتكاف من الكافر.

 البلوغ والتمييز: لا يُشترَط أن يكون المُعتكف بالغاً، وإنّما يكفي أن يكون مُميِّزاً، وعليه فإنّ الاعتكاف لا يصحّ من الصبيّ غير المُميِّز، كما لا يُشترَط أن يكون المُعتكف ذكراً، بل يجوز الاعتكاف من الأنثى أيضاً.

العقل: يُشترَط أن يكون المُعتكف عاقلاً؛ فلا يصحّ الاعتكاف من المجنون.

 الطهارة: اشترط جمهور الفقهاء الطهارة من الحيض، والنفاس، واعتبروه شرطاً لصحّة الاعتكاف الواجب، أمّا الطهارة من الجنابة فقد عدَّها الحنفية، والمالكية شرطاً لحلّ البقاء في المسجد، وليس لصحّة الاعتكاف، وضربوا مثلاً لتوضيح المسألة بأنّ المُعتكف لو احتلم، وجب عليه الغُسل، واعتكافه صحيح.

حكم الاعتكاف عند جمهور العلماء

 وقد اختلف الفقهاء في اعتبار الصوم شرطاً لصحّة الاعتكاف، أو عدم اعتباره، وذلك على النحو الآتي:

الحنفية: اشترط الأحناف الصومَ في الاعتكاف الواجب دون المندوب؛ إذ يرون أنّ الاعتكاف عندما يكون واجباً وهو في حالة النذر -كما تقدَّم-، فإنّ الصيام يكون واجباً أيضاً، أمّا في حالة الاعتكاف المندوب فلا يكون الصيام شرطاً لصحّة الاعتكاف؛ لقوله -صلّى الله عليه وسلّم-: (ليس على المعتكفِ صيامٌ إلا أن يجعلَهُ على نفسِهِ).

 المالكية: اشترط المالكيّة الصومَ مُطلقاً؛ فقد جعلوا الصيام شرطاً لصحّة الاعتكاف.

 الشافعية والحنابلة: لم يشترطوا الصوم؛ فهم يرون أنّ المُعتكف لا يلزمه الصيام إلّا إذا كان قد نذر أن يعتكف مع الصوم.



حُكم الاعتكاف للرجل والمرأة

 اختلف العلماء في حُكم الاعتكاف للرجل عنه للمرأة، وحُكم الاعتكاف في رمضان عنه في غير رمضان، وذلك على النحو الآتي:

 حُكم الاعتكاف للمرأة والرجل:

 يُعَدّ الاعتكاف سُنّة للرجل، وقد حُكِيَ الإجماع على ذلك، ودليل ذلك إجماع أهل العلم على أنّ الاعتكاف ليس واجباً على الناس إلّا من نذر الاعتكاف فإنّه يجب عليه، واختلف الفقهاء في حُكم الاعتكاف للمرأة على رأيَين، هما:

 الرأي الأول: أنّ الاعتكاف سُنّة للمرأة كالرجل، وقد قال به جمهور العلماء.

الرأي الثاني: أنّ الاعتكاف مكروه للمرأة الشابّة، وقد قال بهذا الرأي القاضي من الحنابلة.

حُكم الاعتكاف في رمضان وبقيّة السنة:

 يُعَدّ الاعتكاف سُنّة في رمضان، وخاصّة في العشر الأواخر منه، وهذا قول جمهور الفقهاء، كما أنّه سُنّة في غير رمضان عند جمهور الفقهاء، وجائز عند المالكية.

 اعتكاف المرأة تُفصّل أحكام اعتكاف المرأة على النحو الآتي: إذن الزوج لزوجته: اتّفق جمهور الفقهاء من الحنفية، والشافعية، والحنابلة على اشتراط إذن الزوج لزوجته بالاعتكاف حتى يكون صحيحاً، حتى لو كانت قد نذرت الاعتكاف، بينما يرى المالكية أنّ اعتكاف المرأة دون إذن زوجها صحيح، إلّا أنّها تأثم على ذلك.

 مكان اعتكاف المرأة:

اختلف الفقهاء في اعتبار المسجد شرطاً لصحّة اعتكاف المرأة على رأيَين، هما: جمهور الفقهاء: اشترط كلٌّ من الشافعيّة، والحنابلة، والمالكية المسجدَ لصحّة اعتكاف المرأة، واعتبرَها الشافعية كالرجل؛ لا يصحّ اعتكافه إلّا في المسجد، ورأى الحنابلة أن تعتكف في المسجد، إلّا أنّهم استحبّوا لها أن تستتر؛ لفِعل أمّهات المؤمنين؛ عائشة، وحفصة، وزينب في عهد الرسول -صلّى الله عليه وسلّم-، وأن تعتكف في مكان بعيد عن الرجال؛ لأنّه أحفظ لها، ورأى المالكية أنّ كلّ شرط للاعتكاف يلزم الرجل، فهو يلزم المرأة على حَدٍّ سواء، وعلى ذلك يلزم لها المسجد.

 الحنفية: وهم يَرَون أنّ صحّة اعتكاف المرأة في بيتها؛ فقالوا أنّ المرأة تعتكف في مسجد بيتها؛ أي الموضع الذي تُصلّي فيه في بيتها، وقال بعضهم بأن تُحدّد موضعاً وتعتكف فيه إن لم يكن لها موضع مُحدَّد تُصلّي فيه، أمّا بعضهم الآخر، فقد قالوا بأنّه لا يصحّ لها الاعتكاف في البيت إن لم تُعيّن لها مَحلّ.

فضل الاعتكاف

 هناك أمور يُحقِّقها المسلم عند اعتكافه، ومنها ما يأتي:

 هَجر الرياء؛ لأنّ الاعتكاف يُربّي النفس على الإخلاص لله -تعالى-.

 تعويد النفس على المحاسبة والمراقبة؛ فالاعتكاف يُعين الشخص على محاسبة نفسه على ما فرَّط في بقية العام.

تربية النفس على ممارسة العبادات؛ فالاعتكاف يُعين المسلم على الذِّكر، وقراءة القرآن.

ضبط النفس، وتعويدها على تَرك الشهوات؛ لأنّ الاعتكاف يُعوّد المعتكف على التقليل من بعض المُباحات الدنيويّة، ويُعلِّق نفسه بالعبادة.

 ترك بعضٍ من العادات السيّئة، مثل: السهر، والتدخين، والزيادة في الأكل والشرب.

 تعويد النفس على ممارسة الطاعات، والصبر.

 تنظيم الوقت؛ لأنّ الاعتكاف يُدرِّب المعتكف على استثمار وقته، وتنظيم حياته.

 صفاء القلب؛ لأنّ بقاء المُعتكف في بيت الله، وانقطاعه لعبادته، وتركه شواغلَ الدنيا، من شأنه أن يُحقّق للمُعتكف ذلك، لا سيّما إذا ضمّ إليه الصوم، فزاده طهارة في القلب، وصفاءً في النفس.

يمكنكم متابعة برامج قناة الانسان و الموقع نور الاسلام