19 يونيو 2024

ترجمة الشّيخ محمّد الزغواني(1896-1979م)

هو الأستاذ الإمام محمّد بن عمر الزغواني رحمه الله، حفظ القرآن الكريم منذ الصغر ثمّ التحق بجامع الزيتونة المعمور فاندرج في سلك طلبته إلى أن أحرز شهادة التطويع، واجتاز بعد ذلك بنجاح مناظرة التدريس من الطبقة الثّانية، ثمّ مناظرة التدريس من الطبقة الأولى، ولبث مدرّسا بجامع الزيتونة أكثر من نصف قرن وقد تخرّجت عليه جموع غفيرة من الطلبة والتلاميذ الّذين شغلوا أعلى المناصب في التربية والتعليم والقضاء والإدارة. قرأ بالجامع الأعظم على أبرز شيوخ عصره نذكر من بينهم: شيخ الإسلام محمّد بن يوسف، والعلاّمة الشّيخ محمّد النّخلي، وقاضي الجماعة العلاّمة الشّيخ محمد الصادق النيفر رحمهم الله. كان الشّيخ محمّد الزغواني رحمه الله مكلّفا أيضاً بتدريس الفقه والتشريع الإسلامي بالمدرسة الصادقيّة. وقد قام بهذه المهمّة بلا انقطاع من الثلاثينات إلى النصف الأوّل من الخمسينات مع ثلّة من المشائخ كالمختار بن محمود، ومحمّد البشير النيفر، وإبراهيم النيفر، ومحمّد الفاضل ابن عاشور، ومحمّد بن عاشور، والتهامي الزهّار. وقد كان الشّيخ محمّد الزغواني طوال اضطلاعه بمهمّة التدريس بالمدرسة الصادقيّة يحظى باحترام وتقدير من كافّة زملائه وتلاميذه لما كان يتميّز به من جدّ وانضباط واستقامة وحرص على الإفادة. اشتهر رحمه الله بدراسة كتب الحديث خارج دروسه الرسميّة كالجامع الصّحيح للإمام البخاري، وصحيح الإمام مسلم، وكتاب الشّفاء في سيرة المصطفى ﷺ للقاضي عياض، ومسند الإمام أحمد بن حنبل الّذي وصل إلى جزئه السّابع عشر، وعاقته المنيّة المفاجئة عن إتمامه. كما اشتهر بتدريس التفسير، بأسلوب فيه توسّع في المعنى اللّغوي، وبيان مختلف استعمالات الكلمة المفسّرة، وأصل اشتقاقها، وما يتعلّق بالكلمة من أحكام نحويّة، وصرفيّة، ويتّبع ذلك ببيان المعنى المناسب مع إيراد مختلف التفاسير والآراء. كان مواظباً صبيحة يومي الاثنين والخميس على حضور مجلس بجامع (الشربات) نهج أبي القاسم الشّابي بالعاصمة يتولّى فيه تدريس كتاب «ترتيبات الشّيخ البنّا لمسند الإمام أحمد بن حنبل»، وكتاب «شرح القسطلاني على صحيح البخاري» وذلك بحضور مجموعة من المدرّسين الأفاضل والأساتذة الأجلاّء نخصّ بالذكر منهم المشائخ: عمر العدّاسي، وأحمد شلبي، ومحمد الكلبوسي، ومحمد الأخوة، والصادق بسيّس، وعز الدّين سلاّم، ومصطفى المؤدّب رحمهم الله. وفي السبعينات كان الشّيخ محمد الزغواني يعقد مجلساً في منزله لدراسة كتاب الموطّأ بشرح الزرقاني وذلك مساء كلّ يوم سبت بعد صلاة العصر، وفي مساء الأحد كان يلقي الشّيخ الزغواني درساً في شرح كتاب: «الشّفاء» لعامّة النّاس في جامع الحجّامين. أمّا في شهر رمضان المعظّم فقد كانت له دروس منتظمة في جامع الزيتونة المعمور يخصّصها للعامّة حتّى يتفقّهوا في أمور دينهم. وبالإضافة إلى ذلك كان يشرف على مجلس خاص لتلاوة الحديث النبوي الشريف في ضاحية أريانة. تولّى إمامة جامع الحجّامين حوالي نصف قرن منذ تأسيسه سنة 1351هـ الموافق له 1932م إلى أن التحق بجوار ربّه، وقد كان قبل ذلك ينوب شيخه العلاّمة الشيخ محمّد الصّادق النّيفر رحمه الله بجامع باب البحر (المعروف بجامع الزرارعية). وقد عرف منبر جامع الحجّامين خطبه ومواعظه البليغة وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر، ودعوته إلى الله تعالى، وتوجيه النّاس وإرشادهم إلى ما يضمن لهم الخير والسعادة في الدنيا والآخرة فحظي بمحبّة المصلّين واحترامهم له والتزامهم بأحكام الله الّتي يدعوهم إليها.وفاته: انتقل إلى جوار ربّه تعالى يوم الثلاثاء 12 شوّال 1399هـ الموافق له 4 سبتمبر 1979م عن سنّ تتجاوز الثمانين ودفن بمقبرة الزلاّج بحضور جمع غفير من المشيّعين. وقد أبّنه سماحة الشيخ محمد الحبيب بن الخوجة مفتي الجمهورية التونسية حينذاك. رحمه رحمة واسعة وأكرم مثواه وألحقه الله بالصالحين.