17 يونيو 2024

كيف تقضى صلاة العيد إذا فاتت؟

أما بعد فالجواب أن المذهب أنها لا تصلّى إذا زالت الشمس من يوم الفطر أو يوم الأضحى، قال ابن شاس في الجواهر: “وإذا فاتت صلاة العيد بزوال الشمس فلا تقضى وإذا شهد الشهود على الهلال قبل الزوال أفطرنا وصلينا وإن شهدوا بعد الزوال أفطرنا وتسقط صلاة العيد اهـ”. ووافقنا على ذلك أبو حنيفة والشافعي وأبو ثور رحمهم الله وأقول مدرك مذهبنا أن وقت صلاة العيد هو صباح اليوم الأول من أيام العيد إلى زواله، فإذا زالت الشمس من اليوم الأوّل من العيد فقد أجمع فقهاء الإسلام على أنّها لا تصلّى بعد الزوال. فهي في ذلك كصلاة الفجر، لأنّ وقتها قد فات فلا توقع بعده إلّا قضاء وهي لمّا كانت غير واجبة فالأمر بها لا يستلزم القضاء إذا فات وقتها، لأن أئمّة الأصول وإن اختلفوا في أنّ الأمر هل يستلزم القضاء أو لا بد للقضاء من أمر مخصوص وكان التحقيق أن لا بد لمشروعية القضاء من أمر يدلّ على طلب القضاء عند الفوات فخلافهم خاصّ بأمر الوجوب كما يؤخذ من استدلالهم وأمثلتهم، ألا ترى أن صلاة الفجر لا تقضى بعد زوال يومها ولا صلاة الوتر بعد الصبح وطلوع الشمس، ولو سلّمنا أن صلاة العيد واجبة لكان إيقاعها في مساء اليوم الأوّل أولى من إيقاعها في صباح الغد، فيكون إجماعهم على أنّها لا تصلّى بعد الزوال حجّة على القائلين بأنها تقضى من الغد لأنّ صلاة العيد إذا كانت غير فرض فلا وجه لقضائها، وإذا كانت فرضا تقضى فلا وجه لتأخير القضاء إلى الغد إذ لا نظير لذلك في الشّريعة ولأنّ الصّلوات المشروع فيها الاجتماع لا يشرع فيها القضاء، ألا ترى أن الجمعة لا تقضى إلا ظهرا مع أنّها أولى بالقضاء لأنّ الجماعة فيها واجبة وأنّ صلاتي الكسوف والاستسقاء لا يقضيان. وذهب أحمد بن حنبل والظاهرية والأوزاعي واسحاق بن راهويه وسفيان بن عيينة وأبو أيوب من أصحاب أبي حنيفة إلى أنّها تقضى ضحى الغد، وتمسّكوا بحديث رواه أبو داود وابن ماجة وأحمد بن حنبل عن أبي عمير بن أنس بن مالك عن أعمام له من الأنصار من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: “غمّ علينا هلال شوال فأصبحنا صباحا فجاء ركب آخر النهار فشهدوا عند النبي أنّهم رأوا الهلال بالأمس فأمرهم رسول الله أن يفطروا وأن يخرجوا إلى عيدهم من الغد”، وهو خبر انفرد به أبو عمير عن أعمامه من الأنصار ولم يروه غيره مع توفر الدواعي على نقله لكثرة حدوث أسباب نقله على أنّه مخالف لقواعد الشريعة في قضاء الصلوات، ومالك رحمه الله يردّ خبر الواحد إذا خالف قواعد الشّريعة، على أنّ الظاهر أن بعض رواته زاد فيه تفصيلا بحسب فهمه لأنّ ما في رواية أبي داود ليس فيه أن الركب أتوا في أواخر النهار فيحتمل أنّهم أتوا من آخر اللّيل سرى فلا يدلّ على أنّ رسول الله أمر بالصّلاة في اليوم الثّاني وحينئذ فرواية ابن ماجة فيها زيادة لعلّها من فهم الرّاوي.والخلاصة أن المالكي لا يصلّي صلاة العيد في اليوم الثاني لأنّ مذهب إمامه لا يرى إيقاع صلاة العيد في اليوم الثاني وهو لمّا قلّد مالكا لا يجوز له الخروج عن مذهبه بدون ضرورة على ما تقرّر في كتب الفقه وليس للمقلّد أن يجري في أعماله على الأخذ من الكتاب والسنّة لأنّ مرتبته دون مرتبة الاستنباط فمن رام أن يلوي إلى مسلك الاستنباط ويلتجي كان حقيقا بقولهم: ليس بعشّك فادرجي.الإمام محمّد الطّاهر ابن عاشور