19 يونيو 2024

ماهي حدود العورة الّتي يجب على الرّجل سترها أمام المرأة الأجنبيّة؟

قبل ذكر الجواب على هذا السّؤال نذكر الحكمة الشّرعيّة من شرع الإسلام لباساً على صفة معيّنة بالنّسبة للرّجل والمرأة، فقد جاء في القرآن الكريم قول الله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [الأعراف: 26]، فقد صرّحت الآية أنّ المقصد من اللّباس الّذي سخّره الله تعالى لبني آدم هو إخفاء جزء من الجسد، سمّاه سوأة، وهي كناية عن العورة، وسمّيت كذلك، لما دلّت عليه الآية إشارة إلى أنّ الله تعالى ألهم البشر ستر ما يسوؤهم كشفه وإبداؤه من أجسادهم، وجعل ذلك من أصل الفطرة الإنسانيّة، وأنّه ممّا كرّم الله به النّوع الإنساني منذ ظهوره في الأرض؛ كما قال الشّيخ ابن عاشور رحمه الله. وتظهر الحكمة من ذلك أنّ الله تعالى لمّا خلق الإنسان من ذكر وأنثى، وركّب في كلّ منهما الميل إلى الآخر، وأظهر أعضاء كلّ منهما في صورة تثير غريزته إذا نظر إليها من الآخر، ولذلك جاء الأمر بقوله تعالى: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ﴾ [النّور: 30]، وقوله: ﴿وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ [النّور: 31]. فحرّم على كلّ من الذكر والأنثى أن يكشف من جسده ما يثير غريزة الطرف الآخر، وحرّم على كلّ منهما أن ينظر إلى ما حرّم على الآخر كشفه. ذلك أنّ الذّكر والأنثى يستويان في ثوران غريزة الشّهوة فيهما إذا نظرا إلى محاسن جسد الآخر، قال ابن عاشور: «والأمر بحفظ الفروج عقب الأمر بالغضّ من الأبصار؛ لأنّ النّظر رائد الزّنا، فلمّا كان ذريعة له قصد المتذرّع إليه بالحفظ تنبيها على المبالغة في غضّ الأبصار في محاسن النّساء». وهذا المعنى هو الّذي راعاه المذهب في تحريم كشف الرّجل ما عدا أطرافه؛ (أي من الصدر والبطن والظهر والعضدين والفخذين) أمام غير محارمه من النّساء، قال الشّيخ الدّردير: وترى المرأة الحرّة من الرّجل الأجنبي الوجه والأطراف، فلا يجوز لها أن تنظر لصدره ولا جنبه ولا ظهره ولا ساقه، ولو لم تخف لذّة. قال الشّيخ الصاوي معلّقاً: فحينئذٍ عورة الرّجل مع المرأة الأجنبيّة ما عدا الوجه والأطراف. (بلغة السالك: 1/290؛ وحاشية الدسوقي: 1/215؛ وشرح الحطّاب: 1/501؛ والبيان والتحصيل: 18/550؛ والتحرير والتنوير: 8/74)