17 يونيو 2024

فقيهات تونسيات : خديجة بنت الامام سحنون


«كانت من خيار النساء ومن أحسنهن وأعقلهن» كذا وصفها القاضي عياض في كتابه: «ترتيب المدارك وتقريب المسالك بمعرفة أعلام مذهب مالك».

أنجبت القَيْروان في تونس خلال فترة ازدهارها العلمي ونبوغ حضارتها جهابذة من العلماء والمحدِّثين والفقهاء والشعراء والأدباء. هؤلاء الأعلام لم يكونوا من الرجال فحسب؛ فبعض النساء في ذلك الوقت بلغن في علمهن وأدبهن مراتب عليا وشأواً عظيماً. ومن بين ما تذكرهن المصادر التاريخية.. العالمة الجليلة خديجة بنت الإمام سُحنون رحمهما الله.

المنبت الطيب
هي بنت الإمام سحنون واسمه: عبد السلام بن سعيد بن حبيب التنوخي الفقيه وقاضي قضاة القيروان صاحب (المُدَوَّنة) في الفقه المالكي، المرجع الأساس للمذهب المالكي في ديار الإسلام.
وفي (تاريخ القيروان) لأبي بكر عبد الله بن محمد المالكي قال: قال أبو العرب: «اجتمعت في سحنون خِلالٌ قَلّما اجتمعت في غيره: الفقه البارع، والورع الصادق، والصرامة في الحق، والزَّهَادة في الدنيا، والتخشّن في المَلْبس والمَطْعم، والسماحة. ولم يكن يهاب سلطاناً في حق، شديداً على أهل البدع، انتشرت إمامته، وأجمعوا على فضله»، ولقد لُقِّب بسحنون تيمُّناً بطائر قويّ البصر، لِحدّته في مسائل الفقه وشدة ذكائه.
وهي أخت العالم الكبير محمد صاحب أول رسالة في التربية والتعليم وهي: (آداب المعلمين)، قال عنه ابن الجزار الطبيب الأديب المؤرخ: «كان إمام عصره في مذهب أهل المدينة بالمغرب، سمحاً بما له، كريماً في معاشرته، نفّاعاً للناس، مطاعاً، جواداً بماله وجاهه، وجيهاً عند الملوك والعامة، جيد النظر في الملمات».
وهي بالتالي بنَتْ «دار سحنون» الشهيرة بالقيروان التي نوّه بها المؤرخون وأصحاب الطبقات قال عنها ابن حارث: «قام سؤدد العلم في دار سحنون نحو مائة عام وثلاثين عاماً من ابتداء طلب سحنون وأخيه إلى موت ابن ابنه محمد بن محمد بن سحنون».

التفوق في العلم
وصف أصحاب الطبقات تلاميذ ابن سحنون بقولهم: كان أصحاب سحنون مصابيح في كل بلدة وعددهم نحو سبع مائة رجل ظهروا بصحبته وانتفعوا بمجلسه.
فإذا كان هكذا حال تلاميذه؛ فكيف كان حال أهل بيته؟
كانت خديجة من العلماء الكبار والعالمات القيروانيات ممن أخذوا عن سحنون وساروا على دربه ومنهجه. وقد كان نساء زمانها يستفتينها في مسائل الدين، ويقتدين بها في معضلات الأمور لما منحها الخالق جل ثناؤه من كمال العقل والمدارك العالية.

العقل الراجح
لقد وردت أخبار عنها من ذلك أن سحنون حينما علم بقرار تعيينه قاضياً بالقيروان تَمَنَّع وتمَلََّص فأغلظ عليه الأمير محمد بن الأغلب أشد الغِلظة، وحلف عليه بأشد الأَيْمان حتى وافق، فبلغ به الغم والحزن لعِظَم الأمر عليه أنّ أحداً من الناس لم يجرؤ على تهنئته، ويروى أنه دخل على ابنته خديجة حينما عُرض عليه تولي القضاء قائلاً: «اليوم ذُبح أبوك بغير سكين»، وكان العلماء يتورّعون عن تولّي القضاء لعِظَم المسؤولية أمام الله وأمام عباده وخوفاً من مخالطة الحكام والتعرّض لضغوط منهم لإصدار الأحكام الظالمة.
يقول حسن حسني عبد الوهاب في كتابه (شهيرات التونسيات): «كان أبوها يحبّها حبّاً شديداً ويستشيرها في مهمات أمورهحتى أنه لما عُرض عليه القضاء لم يقبله إلا بعد أخذ رأيها، وكذا كان يفعل أخوها محمد بعد وفاة أبيهما».

الحياء والحشمة
قال أبو داود العطار: أرسلني أبو جعفر أحمد بن لبدة ابن أخي سحنون لأخطب له خديجة من أبيها وكانت من أحسن النساء، وأعقلهن، فذكرت ذلك لسحنون فقال لي: هممتُ بذلك، وسكت، ثم أتاه ابنه محمد فاستشاره ولم يُجب الخطبة، أي لم يوافق.
وتوفي سحنون فأرسلني ابن لبدة إلى محمد ابنه، فذكرت ذلك له فقال: «كيف أتجاسر على ما لم يصنعه أبي؟»، فسكت عنه حتى توفي محمد، فأرسلني إليها فقالت: «ما لم يفعل أبي وأخي أنا أصنعه؟ لا أفعل أبداً».
ويعلق المؤرخ حسن حسني عبد الوهاب على هذا الخبر بقوله: «لعمرك إنما منع خديجة من الزواج بقريبها العالم: الحياء والحشمة التي فُطرت عليها وكأنها أرادت احترام نيّة والدها وأخيها ولو أدّى ذلك الانقباض إلى تضحية شبابها والاقتصار على أشغال حياتها بما يُرضي الرب من صلاة وعبادة ونصيحة وإفادة».

وفاتها
ماتت وهي بِكر في حدود سنة 270هـ، ودُفنت حذو أبيها بمقبرتهم المشهورة بهم قرب مقام الصحابي أبي زمعة البلوي رضي الله عنه.