15 يونيو 2024

أصحاب الهمم من ذوي الإعاقة …يتحدون التهميش ويصلون القمم (قصة إنسانية

ل : وفاء الطرابلسي

” رأيت عمي مراد يمسك القلم ويكتب فحاولت العديد من المرات إمساكه بيدي لكنني لم أستطع، وبحركة لا إرادية سقط القلم تحت مكتبي، فجاءت فكرة مسكه بأصابع رجلي اليسرى، منذ ذلك الحين أصبحت أكتب وأرسم بساقي”.عندما تسمع هذه الشهادة المفعمة بمعاني التحدي والإرادة والعزم وتشاهد ما أثمرته من انتصارات تنتابك قناعة أن الإعاقة الحقيقية هي أن يرى الإنسان نفسه عاجزا عن الفكر والتطور، فمن الناس من اكتفى بالبكاء على الأطلال وتقمص دور الضحية ورضي به، ومنهم من صنع من إعاقته وقود حياة ليصل لأعلى المراتب.أشرف النمري، رسام تونسي من ذوي الإعاقة ولد فاقدا لليدين، صاحب الـ 38 عاماً، نشأ وترعرع بمدينة الكبارية في العاصمة، اكتشف موهبته منذ الصغر حين كان عمره خمس سنوات، فبدأ يمسك القلم بأصابع ساقيه ويرسم أبطال شخصيات الكارتون، اتخذ من الرسم سبيلا للتعبير وتطوير موهبته، على أمل أن ينحت اسمه بين أسطر تاريخ المبدعين ويكون “بيكاسو” جديد لتونس .التقينا بأشرف وأطلعنا على منزله البسيط المتواضع الذي امتلاء بعزيمة وإصرار لا يملكها أيّ كان. ترتسم الابتسامة على وجهه الملائكي وهو يستحضر حادثة سقوط القلم من يده ومحاولته محاكاة علاقة عمّه بالقلم، ويقول ” منذ ذلك الحين أصبحت أكتب وأرسم بساقي فقررت العائلة إلحاقي بالمدرسة”.بالإرادة والمثابرة، استطاع النمري اجتياز كلّ العقبات وتحدّي المشاكل الجسدية بنجاح، حيث ساعدته عمته “نعيمة” في صقل موهبته، وساعدته الراهبة بكنيسة تونس “سوزان ” بدعمه ماليا لمدة 3 سنوات من خلال شراء مستلزمات الرسم وغيره، حتى وصل للاحترافية في مجاله الذي لطالما راوده منذ نعومة أظافره.تقول ختام الوهيبي (صديقة أشرف ): “لم تحرمه إعاقته من أن يصبح واحدا من أهم الرسامين، فهو نموذج ملهم، يؤمن بأن الإعاقة ليست أبدا إعاقة الجسد، إنما هي إعاقة الروح والإرادة.”وتضيف:” فرغم الصعوبات المادية والعائلية التي واجهها، فإنها لم تقف حاجزا بينه وبين تحقيق أهدافه، والدليل على هذا رسوماته التي تكاد تكون حقيقة نتاجا لإرادته وعزيمته عند أداء موهبته.”رغم كل العقبات التي واجهها النمري في حياته إلا أنه تمكن من تحقيق جزء من أحلامه، حيث أقام معارض لرسوماته ولوحاته بداية من سنة 2017 بالمهدية، صفاقس، وفي 2020 بمدينة الثقافة، حتى يثبت للعالم جدارته وعزيمته.يرسم أشرف لوحات البورتريه ويبدع فيها، فما إن تدخل منزله المتواضع حتى تجذبك العديد من اللوحات المعلقة يمنة ويسرة في غرفة الصالون، ولعل من بين أبرز اللوحات التي رسمها النمري بورتريه لرئيس الجمهورية قيس سعيد وأهداها إيّاه، حيث استقبله بقصر قرطاج في 11 فيفري 2020 وعبر له عن دعمه المتواصل للشباب المبدع وخاصة لذوي الإعاقة

وعند سؤالنا لأشرف عن ما بعد هذا اللقاء فأجاب :” لم أجد حظي في تونس، ومررت بالعديد من الصعوبات وخيبات الأمل وصلت بي حد الاعتزال، لأني وجدت نفسي في دولة لا تهتم بذوي الإعاقة، فلما قابلت الرئيس قيس سعيد تحدثت معه عن هذه الصعوبات التي أمر بها، لكن للأسف لم يتغير شيء بعد هذا اللقاء.”حال أشرف النمري كحال العشرات من ذوي وذوات الإعاقة، لهم حلم وغاية وهدف في الحياة لكن الإمكانيات والواقع يعرقل كل هذه الأحلام. تبيّن الدراسات التي أجرتها جمعيات المجتمع المدنى التي تعنى بذوي الإعاقة، أن نسبة كبيرة من الكفاءات التونسية منهم هاجروا خارج تراب الوطن، حيث يتم استقطابهم من طرف الدول الأجنبية كألمانيا، وذلك للاستفادة من خبرتهم وإبداعهم مقابل توفير بيئة ملائمة لهم وقوانين تحميهم.يؤكد يسري المزاتي رئيس المنظمة التونسية للدفاع عن حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة أن تونس رائدة في مجال سن القوانين التي تعنى بذوي الإعاقة، لكن تبقى الإشكالية في التطبيق وعدم التفعيل من قبل المؤسسات. وهو ما دفع البعض من ذوي الإعاقة اختيار الهجرة كبصيص للأمل. لا تقتصر معاناة ذوي الإعاقة على عدم وجود الدعم الكافي لهم من قبل الدولة، أو عدم تكافؤ الفرص في المجال الوظيفي، بل إن أكثر ما يسبب لهم المعاناة هي نظرة المجتمع لهم، بين ناظر لهم بعين الشفقة والعطف وبين آخر لم يتقبلهم ويرى فيهم النقص والعجز.تقول الباحثة في علم الإجتماع صبرين الجلاصي : “نحن بقينا رهينة للموروث الإجتماعي الذي يرى أن ذوي الإعاقة هم ناقصون، فعلى مستوى المخيال الجمعي التونسي نجد العديد من الأمثال الشعبية فيها تهكم على أصحاب الإعاقة وتقليل من شأنهم وقدراتهم وكأنهم عالة على عائلاتهم وعلى المجتمع”

.وتضيف الجلاصي : “إن البعض من أصحاب الإعاقة يتعرضون للعنف المعنوي سواء من عائلاتهم أو من محيطهم، وذلك بتعلّة أنهم يعرقلون نشاطهم اليومي، وهو أمر يجانب الصواب مقارنة بالغرب الذي يعمل على اكتشاف وتطوير المهارات عند أصحاب الإعاقة والسعي نحو صقلها تحقيقا للإبداع”.تؤكد صبرين أن “ذوي وذوات الإعاقة يتمتعون بالقدرة والعزيمة والإرادة، ونجاحهم هو دليل على التحدي والإصرار، وأنهم ليسوا عالة على المجتمع.

“في إحدى مناطق جنوب ولاية بن عروس وتحديدا مرناق، تقطن هدى العباسي هناك، صاحبة 36 سنة، متحصّلة على شهادة تقني سامي في التجارة العالمية، حاملة لإعاقة في الساق اليسرى ناتجة عن خطأ طبي كبير منذ الشهر الثالث من ولادتها، تمارس العديد من النشاطات الجمعياتية والخيرية.تقول هدى :” أعتبر نفسي موهوبة في المجال الجمعياتي، وصلت حد الشغف والعشق، لما حققته من أهداف ونجاحات وذلك بفضل دعم عائلتي التي عاملتني بعدل مثل بقية إخوتي ،لا أنسى كذلك دعم أصدقائي وزوجي ورواد مواقع التواصل الاجتماعي.”تضيف عباسي :” تغلبت على إعاقتي بتغيير نظرتي لنفسي، حيث تصالحت معها وقبلتها كما هي، فهذه الثقة تسلحت بها لمواجهة العالم، واعتبرت هذه الإعاقة هبة من الله ولا يحق لي التمرد عليها”.وتشير هدى أن الشخص ذا الإعاقة مضطر للتنقل في وسائل نقل خاصة وذلك لعدم الاعتناء بهذا الجانب من قبل الدولة، علاوة على الغلاء الكبير في المعيشة حيث أصبحت المنح الاجتماعية لا تغطي 10 بالمائة من مصاريف الشخص ذي الإعاقة.ختمت هدى كلامها بجملة تدل عن عظم الأمل والطموح داخلها فقالت:” قبل محاولة تغيير نظرة المجتمع إلينا، لابد أن نغير نظرتنا لأنفسنا ونؤمن بقدراتنا، فلكل منا طاقة كامنة داخله، عندما ينتفض سيستطيع النجاح في المجتمع … البناء يبدأ من الداخل”.